الصفحة 46 من 162

للإسلام نظرة مستقلة في النفس الإنسانية. تختلف عن غيرها اختلافًا أساسيًا. وإن كانت -في الفروع والتفصيلات- قد تلتقي في بعض الأحيان بغيرها من النظريات.

ونظرة الإسلام في تكاملها وتناسقها، وشمولها لكل جوانب النفس وكل جوانب الحياة، غير مسبوقة من الوجهة التاريخية. وما تزال حتى اليوم بعد كل ما ظهر من النظريات، تتفرد وحدها بالشمول والعمق والاتزان.

أهم ما يتميز به الإسلام أنه يأخذ الكائن البشري على ما هو عليه، لا يحاول أن يقسره على ما ليس من طبيعته، كما تصنع النظم المثالية، وإن كان في الوقت ذاته يعمد إلى تهذيب هذه الطبيعة إلى آخر مدى مستطاع، دون أن يكبت شيئًا من النوازع الفطرية، أو يمزق الفرد بين الضغط الواقع عليه من هذه النوازع، وبين المثل العليا التي يرسمها له.

الإنسان في نظر الإسلام كائن لا هو بالملاك ولا بالحيوان. وإن كان قادرًا في بعض حالات الهبوط أن يصبح أسوأ من الحيوان، وفي بعض حالات الارتفاع أن يسمو بروحه إلى مستوى الملائكة من الطهر. ولكنه في حالته الطبيعية شيء بين هذا وذاك، مشتمل على استعداد للخير كما هو مشتمل على استعداد للشر. وليس أي العنصرين غريبًا عن طبيعته، ولا مفروضًا عليه من خارج نفسه.

وهو يشمل نوازع فطرية تربطه بالأرض، لأن الحياة -في أهدافها العليا- لا تتحقق بغير وجود هذه النوازع قوية ملحة يتعذر الفكاك من عقالها. ولكنه يشمل في الوقت ذاته نزعة -فطرية أيضًا- تهدف به إلى الارتفاع والسمو، ومحاولة الانطلاق -ولو قليلًا- من روابط الأرض.

والإنسان قابل -من طرفيه هذين- أن يهبط أو يصعد بحسب التوجيه الذي يوجه إليه، وخاصة في فترتي الطفولة والمراهقة، ولكنه حين يهبط أو يرتفع، يكون في حدود طاقاته الطبيعية، وعناصره المكونة له، لا يفرض عليه شيء من الخارج، ولا يفسر على ما ليس في طبيعته.

والإغراء بالهبوط، كالإغراء بالصعود. كلاهما يتلقى استجابة طبيعية من الفرد، لأن فيه استهواء لهذا وذاك. وبعض الأفراد بطبيعة الحال يكون استهواؤهم للشر أكبر، وبعضهم يكون استهواؤهم للخير أشد. ولكن الغالبية العظمى تقع في الوسط، أو هي -لنكون أكثر واقعية- أميل إلى الهبوط والاستجابة لنوازعها الفطرية الأرضية، وإن كانت في ذات الوقت لا ترفض الاستجاابة إلى دافع التسامي، حين يعرض لها أو توجه إليه.

والغاية العليا للإسلام، هي إيجاد التوازن في نفس الفرد، فيؤدي ذلك إلى إيجاد التوازن في المجتمع، وفي الإنسانية كلها بعد ذلك، بقدر ما يكون هذا في حدود الإمكان.

ووسيلته في ذلك أن يمسك بالإنسان من خيط الصعود، ليساعده على موازنة الثقل الذي يجذبه إلى الأرض. ولكنه لا يعنف في جذبه إلى أعلى حتى يمزق أوصاله، أو يقطع ما بينه وبين الأرض من صلات، لأنه حين ذلك يفقده التوازن المنشود.

والإسلام يكره فقدان التوازن ولو كان إلى أعلى، لأنه يحرص على أهداف الحياة العليا، التي لا تتحقق بغير الاستجالة لنوازع الأرض؛ وكل ما يعمله ويهدف إليه هو تنظيف الوسائل التي يستجيب بها الفرد لنوزاعه، حتى ترتفع الحياة كلها، وتصبح كريمة جميلة، خليقة بمعنى التكريم الذي أسبغه الله على الإنسان.

ومن هنا يقول الرسول الكريم:"لا رهبانية في الإسلام". فالرهبانية -في نظر أصحابها- ارتفاع بالحياة عن نوازع الجسد، وتطهي للروح لتكون خليقة بالدخول في ملكوت الله. ولكنها -في نظر الإسلام- اختلال غير متوازن، يعطل أهداف الحياة، ويعذب الفرد في سبيل هدف -مهما يكن نظيفًا في ذاته- فهو غير عادل بالنسبة للفرد والمجتمع والحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت