الصفحة 47 من 162

ومن هنا كذلك يتضح أن الإسلام يسعى إلى التوفيق الدائم بين أهداف الحياة وضرورات المجتمع ونوازع الفرد، دون أن يطغى هدف على هدف، ولا مصلحة على مصلحة، وإنما يسير الكل في توافق واتساق، يحقق -حين يتم- أقصى ما يمكن من السعادة على ظهر الأرض.

تلك نظرته العامة فلنأخذ في شيء من التفصيل.

الإنسان في نظر الإسلام: جسم وعقل وروح. وكل أولئك معترف بوجوده، مقدرة مطالبه، وكلها حقيقة بالاستجابة إليها استجابة صريحة مباشرة لا مواربة فيها ولا إنكار.

فأما الجسد فهو وشائج اللحم والدم. وهو النوازع الفطرية. وهو الشهوة الملحّة التي لا تهدأ ولا تكف. وهو المطالب بحفظ الحياة على الأرض، بالمحافظة أولًا على ذاته، والمحافظة بعد ذلك على النوع. الهدف الأول وسيلته الطعام والشراب (والمسكن والكساء أيضًا) والهدف الآخر وسيلته النسل والإكثار.

وهناك حكمة في جعل نوزاع الجسد من العنف والإلحاح، بحيث يتعذر -أو يستحيل أحيانًا- عدم الاستجابة إليها. فإحساس الجوع والعطش إحساس عنيف لا يمكن السكوت عليه. وذلك ليكون هناك ضمان بألا يتهاون الفرد في المحافظة على ذاته. ولن تتيسر تلك المحافظة بغير الطعام والشراب.

والإحساس الجنسي لا يحتاج الإنسان أن يتطرف مثل فرويد لكي يبين أصالته وعمق جذوره في النفس البشرية، فهو واضح بغير حاجة إلى هذا التطرف المعيب. وحكمته كذلك واضحة فلن يستمر النوع إذا كان الإحساس الجنسي ضعيفًا يسهل الانفصال عنه، والانطلاق من عقاله. ولما كانت المرأة تحتمل الغرم الأكبر في سبيل النسل، كان رباطها بنزعة الجنس أقوى، واتصالها بها أشد، ليكون هناك ضمان ألا تعزف بها آلام الحمل والرضاعة عن أداء هدف الحياة الأصيل.

وبقدر ما يوجد من الألم أو القلق في عدم الاستجابة لنوازع الجسد، يوجد في الكفة الأخرى لذة لا آخر لها في هذه الاستجابة. وبذلك وضعت كل الضمانات التي تكفل استجابة الفرد لأهداف الحياة، دون أن يحس في الوقت ذاته أنه مكلف بأداء فرض ثقيل!

أما العقل فمهمته الأولى أن يعاون الإنسان في الحصول على أفضل الطرق لإجابة النوازع الفطرية، والتغلب على العقبات التي قد تقف في سبيل ذلك، بالتدبر والتفكير.

ولكن مهمته لم تقف عند هذا الحد. فلكي يتأتى له أن يقوم بمهمته على أحسن وجه، جعلت فيه نزعة دائمة إلى المعرفة، كأنها في ذاتها هدف مقصود. وعن طريق هذه النزعة ترتقي الحياة وتتقدم، وهي تحقق أهدافها الأصيلة في الوقت ذاته. فالرقي إذن هدف أصيل من أهداف الحياة، تنزع إليه نزوعًا ذاتيًا، ووسائله أو جزء منها موجود في العقل البشري.

أما الروح، تلك الطاقة الكبرى التي لا يؤمن بها الغرب، فمهمتها قد لا تكون ظاهرة للعيان في مبدأ الأمر، لأن الروح في ذاتها أمر غير محسوس. ولا نريد أن ندخل في جدل ميتافيزيقي لا ينتهي؛ ولكنا نكتفي بما أثبتناه من قبل من أن إنكار الروح لا يقوم على أساس علمي صحيح. ونزيد هنا أنه من أهداف الحياة الأصيلة ترقية الحياة ذاتها والارتفاع بها على الدوام، وأن إحدى وسائل هذا الارتفاع في الإنسان هي الروح ومهمتها أن تتصل بالحقيقة الكبرى في هذا الكون، فتستلهم منها النور الذي لا تراه الحواس، ولكنه موجود بالرغم من ذلك. وبهذا النور العلوي تستطيع الروح أن تسمو، فتعاون الكائن البشري على تحقيق هدف الحياة من الارتفاع.

والنفس البشرية تشمل أولئك جميعًا، ولا تضيق بشيء منها. والإسلام يعترف بالكائن البشري كما هو، فيحقق رغبات جسده وعقله وروحه، ويهدف في ذات الوقت إلى إيجاد التوازن بين الجميع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت