الصفحة 48 من 162

يعترف الإسلام بالنشاط الحيوي للإنسان، وبحق الفرد في أن يزاول هذا النشاط، في حدوده المعقولة التي لا تؤذي المجتمع، ولا تؤذي الفرد ذاته في نفس الوقت.

وفرق كبير في هذا المجال مثلًا بين نظرة المسيحية كما صورتها الكنيسة ونظرة الإسلام. فقد كانت الكنيسة تبالغ في فرض القيود على النشاط الحيوي، وتنكر حق الفرد لا في مزاولة كثير من ألوان النشاط فحسب، بل في الإحساس بالرغبة في هذا النشاط. أي أنها لا تكتفي بوضع القيود في الميدان العملي، بل تتعداه إلى مجال الشعور في داخل النفس، وعلى سبيل الإلزام ... وبغير ذلك لا يكون الإنسان جديرًا بملكوت الرب.

ولا شك أن الكنيسة قد استندت إلى بعض أقوال المسيح عليه السلام، الداعية إلى التطهر الروحي، والارتفاع على متاع الحس، والتي كثر ورودها على لسان المسيح بالنسبة للمادية الطاغية التي كان اليهود يعيشون في دنسها. ولكن الكنيسة بالغت في الاستناد إلى هذه الأقوال حتى وصلت بها إلى الرهبانية التي قيول عنها القرآن:"وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ".

فحين يقول المسيح عليه السلام:"لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون!"أو يقول:"من طلب الفردوس فخبز الشعير والنوم في المزابل مع الكلاب كثير!"فلا يخالجنا الشك في أنه عليه السلام كان يرجو الخير للبشرية. وهو حين يطلب إلى الناس هذا الطلب، يريد أن يضيق مجال الشيطان، بمحاربة الشهوات التي تصرف الإنسان عن الخير. وقد كان خليقًا أن يتشدد في المطالبة بقمع الجسد وقهر الشهوات، والترفع عن الحياة الدنيا، بالنظر إلى حالة بني إسرائيل، وما كانوا عليه من مادية مفرطة وقساوة وجحود.

ولكن حين يتحول هذا إلى رهبانية، نجد أنه من المستحيل عمليًا أن تقبع البشرية إلى الأبد داخل الحدود التي أرادتها لها الكنيسة، ولا من الخير لها كذلك أن تقبع فيها فتنصرف إلى الأديرة والصوامع.

وهذه الأديرة والصوامع ذاتها ما الذي يجري فيها؟ إن أبشع القذارات الإنسانية لترتكب هناك، في ذات الأماكن التي كان يظن أنها موضع القداسة، ومكان التطهر الكامل، والخلاص الأبدي من شهوة الجسد ونزغات الشيطان!"وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا" [1]

ذلك أن الكبت العنيف الذي تفرضه التعاليم المتزمتة لا يمكن تنفيذه، ولا بد أن يؤدي في النهاية إلى نتيجة عكسية .. إلى الانغماس في الشهوات تحت أي ستار.

ولنترك الأديرة، وننظر إلى المجتمع المسيحي كيف صار. إن الكاثوليكية المسيحية مثلًا لا تبيح الطلاق. وتفرض دوام العلاقات بين الزوج وزوجته أيًا كان اختلاف طبائعهما، أو ملابسات حياتهما الزوجية. فماذا كانت نتيجة ذلك؟ لقد كانت النتيجة الحتمية أن ظل الناس (فيما عدا الدول التي أباحت الطلاق) يطيعون هذه التعاليم في الظاهر، ثم يتخذ الأزواج خليلات، وتتخذ الزوجات خلانًا، يقضي بعضهم مع بعض شهواتهم المحرمة، لأن هذا هو التنفيس الممكن الوحيد!

وهكذا نحد في الكثير من هذا التعاليم المتزمتة ما يخالف الطبائع البشرية، ويطالبها بما ليس في طاقتها.

أما الإسلام فقد كان أدرى بالطبيعة البشرية وأحكم في معالجتها، حين أباح للناس نشاطهم الحيوي المشروع.

أباح لهم شهوة الطعام وشهوة الجنس وشهوة الاستمتاع بطيبات الحياة ... أباحها لهم صراحة في غير مواربة ولا لبس؛ بل دعاهم دعوة قوية صريحة إلى هذا الاستمتاع:

"قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ" [2] .

(1) سورة الحديد [27] .

(2) سورة ا لأعراف [32] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت