"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ" [1] .
"وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا" [2] .
وحين تحرم التعاليم الكنسية على الناس أن يحسوا بهذه الشهوات، فينشأ بذلك الكيت والاضطراب النفسي، نرى الإسلام صريحًا في الاعتراف بالطبيعة البشرية حيث يقول القرآن:"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ" [3] ويقول:"الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" [4] .
وهذه مسألة على أعظم جانب من الأهمية، وتستحق أن نفرد بها بضعة سطور من هذا البحث. فالكبت -كما قرر علماء النفس التحليليون وعلى رأسهم فرويد -ليس هو الامتناع عن إتيان العمل الغريزي، الذي تدفع إليه الطاقة الشهوية في الإنسان [5] . وإنما ينشأ الكبت من استقذار العمل الغريزي، وعدم اعتراف الإنسان في داخل نفسه بأنه يحق له أن يفكر في إتيان هذا العمل، أو يحس بالرغبة في إتيانه، وذلك إطاعة للذات العليا، التي تمثل سلطة الوالد أو الإله .. الخ. أي إطاعة لقوة جبرية تحرم على الفرد هذا الإحساس.
وعندما يشعر الإنسان أنه من العيب أو من المحرم عليه أن يحس بشهوة معينة، يكبت هذا الإحساس، أي أنه لا يسمح له بالظهور في نطاق النفس الواعية التي تواجه المجتمع والحياة الخارجية"Ego". ولكن الطاقة التي تكمن وراء هذه الشهوة باقية ما تزال، رغم كبتها وعدم التصريح لها بالظهور. ومن هنا ينشأ الصراع بين هذه الطاقة الحبيسة وبين القوة التي حكمت عليها الحبس والكتمان. ومن هذا الصراع، وعلى قدر شدته والملابسات الشخصية المحيطة به، تنشأ الاضطرابات النفسية والعصبية المعروفة.
فأهم جانب يقوم عليه الكبت هو عدم اعتراف الإنسان بينه وبين نفسه -نتيجة التعاليم التي تلقن به- بأن من حقه الشعور برغبة معينة. ومن هنا يتضح كيف أن التزمت الكنسي بتحريمه الرغبة في طيبات الحياة، قد فتح الباب الذي تلجه الاضطرابات العنيفة المدمرة.
أما الإسلام فمزيته الكبرى في هذا المجال، أنه منذ البدء لا يفتح الطريق أمام الكبت، بل يزيله قبل أن يحدث، ولا يترك فرصة مهيأة لحدوثه. فهو يعترف -كما رأينا في الآية- أن الناس هكذا يحبون الشهوات. وأن هذه الشهوات مزينة لهم.
فحين يرى المسلم أن هذا أمر واقع، وأن شرائع السماء تعترف بوجوده، لا يجد في نفسه الاشمئزاز ولا النفور من هذه الشهوات! ذلك الاشمئزاز الذي ينشأ عنه الكبت.
ولكن هذا لا يعني بحال أن الإنسان يحق له أن ينطلق مع هذه الشهوات إلى آخر المدى، حتى تستعبده وتخرج به عن إنسانيته ..
كلا! إن هذا الأمر لو أبيح، لعاد بأقصى الضرر على كيان الفرد ذاته، لا على كيان المجتمع فحسب. فينبغي إذن أن تقام له الحدود التي تحتفظ به في حيز النفع الفردي والجماعي. ولكن هذه الحدود لا تَكْبِت. وهذا هو المهم في الموضوع. إن هذه الحدود تنظم فقط مدى القيام بالنشاط الحيوي، وتحدد له ميادين معينة يكون فيها مأمون العاقبة، ولكنها لا تتعرض قط لأصوله في النفس، فلا تحرّم الإحساس به والرغبة فيه.
ولنأخذ في بسط الأمثلة التي توضح ما نقول:
(1) سورة البقرة [172] .
(2) سورة القصص [77] .
(3) سورة آل عمران [14] .
(4) سورة الكهف [46] .
(5) كتاب"Three Contributions to the Sexual Theory"ص82.