الصفحة 50 من 162

فالتعاليم المتزمتة -كما أسلفنا- تنظر إلى الشهوة الجنسية على أنها رجس من عمل الشيطان، فعلى الذين يرغبون في التطهر، والدخول في ملكوت الله، أن ينزهوا أنفسهم عن الإحساس -مجرد الإحساس- بالشهوة إلى المرأة. ولكن هذه الشهوة عميقة في نفس الإنسان. ولا بد أن يشعر الرجل بها شاء أو لم يشأ، لأن هذا الشعور العنيف الملح هو وسيلة الحياة لحفظ النوع. فالنتيجة الحتمية لهذه التعاليم أن يكبت الرجل شعوره بالرغبة في المرأة (وكذلك الأمر بالنسبة لشعور المرأة نحو الرجل) .. ثم ينشأ الصراع.

أما الإسلام فيقرر أن هذه الشهوة قد زينت للناس. فحين يحس الفتى المراهق إذن بالرغبة في الجنس الآخر لا يحتاج -في الإسلام- أن يستعيذ بالله من مجرد هذا الإحساس، لأن الإسلام يقر له في صراحة تامة، أن هذا أمر طبيعي لا خلاف عليه ولا نكران له .. وعلى ذلك لا يحتاج أن يكبت الشعور بهذه الرغبة لكي يتطهر في نظر الناس، ونظر نفسه، ونظر الله.

ولا يحتاج كذلك أن يشعر بالإثم من مجرد إحساسه بالرغبة الجنسية. ومن ثم تنتفي كل الاضطرابات النفسية والعصبية التي تنشأ من الشعور بالإثم، والتي تؤدي إلى الجريمة في حالات الشذوذ.

ولكنا نعلم بطبيعة الحال أن الإسلام لم يبح للفرد أن ييطع هذا الهاتف الجنسي حسبما اتفق، وفي أية صورة من الصور. وإنما وضع لذلك الحدود الشرعية التي يكون مباحًا في حالات الشذوذ.

ولكنا نعلم بطبيعة الحال أن الإسلام لم يبح للفرد أن يطيع هذا الهاتف الجنسي حسبما اتفق، وفي أية صورة من الصور. وإنما وضع لذلك الحدود الشرعية التي يكون مباحًا في داخلها، محرمًا فيما وراءها.

هذا صحيح. ولكن هذا شيء والكبت شيء آخر. فهنا مجرد تعليق [1] للعمل. وفرق بين هذا وبين استقذاره وعدم الاعتراف به في داخل الضمير. هذا التعليق ينظم النشاط الجنسي العملي ولكنه لا يبته من منبته، ولا يحرم الإحساس به في أية لحظة بين الإنسان ونفسه.

وتعاليم المسيحية -المترفعة المتسامية- تحرم الأخذ بالثأر. ليس هذا فقط. بل تحرم الإحساس بشهوة الانتقام، وتعد ذلك علامة على الانحطاط واتباع الشيطان، وتعتبره خصلة لا تؤهل الإنسان للدخول في ملكوت الرب. (من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر) .

ورد العدوان وحب الانتقام من اعتداء وقع على الإنسان، نزعة فطرية لا جدال في وجودها بين البشر جميعًا. صحيح أن الاستسلام لها دائمًا يهبط بالبشرية إلى درك منحدر، ويقفل الطريق أمام التسامي والارتفاع. ولكنه صحيح أيضًا، أن كبت هذه النزعة الفطرية أو إماتتها ليس من صالح البشرية في شيء، فهناك ملابسات تمر بكل إنسان، وبكل أمة، يصبح القعود فيها عن طلب الثأر مهانة وخزيًا لا يعودان على أحد بالخير، إلا على المعتدي الأثيم. فتحريم المبدأ إذن كانت له مبررات مفهومة كدعوة مؤقتة، ولكنه كنظام دائم فكرة خطرة، فضلًا عن كونها غير مستطاعة عمليًا، ولا بد أن ينشأ منها الصراع النفسي والاضطراب .. فكيف عالج الإسلام هذا الأمر؟

إنه يقرر في صراحة تامة أن"العين بالعين والسن بالسن ... والجروح قصاص"بل يحض على القصاص في أكثر من موضع:"وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِيْ الأَلْبَابِ""فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ".

فهو يقرر -من حيث المبدأ- حق الفرد بالشعور بالغضب والرغبة في الانتقام، فلا كبت هنا ولا مجال للكبت.

(1) اخترنا هنا تعبير فرويد"Suspension"الذي فرق به بين الكبت وبين عدم الإتيان بالعمل الغريزي في كتاب:"Three Contributions".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت