الصفحة 51 من 162

وصحيح أنه يجعل ولي الأمر هو المنوط بالتحقيق والتنفيذ. ولكن هذا المنع ينصرف إلى التنفيذ العملي فقط ولا ينصرف إلى الإحساس ذاته، وهو منشأ الكبت والاضطراب.

والمسيحية التي جاءت لتطهير بني إسرائيل من الجشع المادي الغليظ، تحارب حب المال، وتصفه بأنه إطاعة للشيطان ومجلبة لغضب الرب. ولكن حب المال"شهوة"مزينة للنفس على حد تعبير القرآن. ولا بد أن تشعر النفس العادية بالرغبة فيه، فإذا حرم عليها هذا الإحساس، نشأ عن كبته ألوان من السلوك المنحرف، يعرفها علماء النفس التحليليون في الأمراض التي يقومون بعلاجها.

أما الإسلام فقد رأينا أنه يقرر بصراحة أن ذلك من طبائع النفوس. فإذا أحس الإنسان بالرغبة في امتلاك المال فليس ذلك من نوازع الشيطان، ولا هو مما يجلب غضب الله عليه. فتنتفي منذ اللحظة الأولى مببرات الكبت والاضطراب.

وصحيح أن الإسلام يضع قيودًا كثيرة لامتلاك المال، فهو لا يبيح لأحد أن يطيع شهوة القناطير المقنطرة من الذهب، بلا حساب. وإنما يفرض عليه سلوكًا معينًا وطرقًا بذاتها لا يكون المال حلالًا إلا بها، بل يفرض كذلك على هذا المال مصارف معينة، إذا لم ينفق فيها لم يصبح المال حلالًا، حتى ولو جمع بطريق الحلال.

كل هذا صحيح، وفيه تقييد لشهوة المال لا شك فيه، ولكن هناك فرقًا أساسيًا بين هذا التحديد في الميدان التنفيذي، وبين منع الإحساس بتلك الشهوة في داخل النفس.

وهكذا .. وهكذا.

ولا أحسبني في حاجة إلى مزيد من الأمثلة التي تقرر هذا الاختلاف الأساسي بين تعاليم المسيحية التي جاءت لفترة معينة من الوقت ولشعب معين، وبين نظرة الإسلام الذي جاء للناس كافة ولجميع الأجيال. فقد اتضحت لنا -فيما أظن- طريقة الإسلام الأساسية في معالجة النوازع الفطرية: فهو يعترف بها، ويعترف بحق الفرد في الإحساس بها، وفي مزاولتها في الحدود المشروعة. فيتجنب بذلك منذ اللحظة الأولى قيام الكبت الذي ينشأ من استقذار الدوافع الفطرية وعدم اعتراف الإنسان لنفسه -نتيجة ضغط الدين أو التقاليد .. الخ- بأحقية إحساس معين بأن يخطر في شعوره.

بل إن الإسلام ليصل إلى أبعد من هذا في الاعتراف الصريح بالواقع البشري كما هو، وذلك مثلًا حيث يقول:"كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ". وقد كان من حق دعوة دينية كالإسلام، تعتمد على الجهاد في سبيل الله، وتعتبره جزءًا أساسيًا من الإيمان بهذا الدين، وتستحث عليه بكل الوسائل، وأهمها الوعد بالثواب في الآخرة على ما يبذل الإنسان من تضحيات في الحياة الدنيا .. كان من حق مثل هذه الدعوة أن تكتفي بعرض الجانب اللامع الجميل من الجهاد، وهو التضحية النبيلة التي ترخص فيها حياة الفرد الفانية، في سبيل الفكرة العليا الباقية، وفي سبيل خالق الحياة كلها، ومانح هذا الفرد ما منحه من هبات.

ولو أن الإسلام اكتفى بذلك لكان هذا من حقه، وهو يعتمد على الجهاد، ويعتبره ركنًا من أركانه الأساسية لا يكاد يتم الإيمان إلا به.

ومع ذلك كله، ومع وجود المبررات التي تبيح للإسلام أن يفرض المثل الأعلى في هذا المجال فرضًا، ويطالب الناس بالارتفاع إليه، فإن إدراك الإسلام للطبيعة البشرية، وصراحته التامة في الاعتراف بها، جعله يقول إن القتال"كره"للمقاتلين.

صحيح أنه لا يقر لهم أن يندفعوا مع هذا الكره إلى الحد الذي يقعد بهم عن القتال. فذلك أمر شائن لا يزال القرآن ينفّر منه ويصوره في أقبح صورة. ولكن هناك فرقاَ نفسيًا بين ذلك، وبين عدم الاعتراف للفرد بحقه في استشعار الكره وهو مقبل على القتال.

ولأية نتيجة يصل من هذا الاعتراف الصريح؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت