الصفحة 52 من 162

إنه يصل إلى نتيجتين في آن واحد: الأولى أنه لا يدع مجالًا للكبت الذي يمكن أن ينشأ في نفوس بعض المقاتلين -بل كثير منهم- حين يذهبون إلى القتال، وقد فرض فيهم أنهم مقبلون عليه إقبال الراغب المتطوع المندفع، الذي لا يجوز له أن يكره ما قد فرض عليه. والمحللون النفسيون يعرفون كثيرًا من أنواع الاضطراب النفسي والعصبي الذي ينشأ في الحرب، نتيجة كبت المحاربين لكراهيتهم للقتال، لأن أحدًا لا يصرح لهم بهذه الكراهية، لا الدولة التي أرسلتهم، ولا القادة الذين يصدرون الأوامر، ولا الزملاء من الجنود (ولو كانوا هم في داخل نفوسهم من الكارهين!) أما حين نصرح لهؤلاء الجنود بحقهم في استشعار الكراهية لما هم مقبلون عليه، فلا سبيل إذن لنشوء الكبت اللاشعوري. لأن في استطاعتهم -رسميًا- أن يحتفظوا بالكراهية في نطاق الشعور. وهذا هو المكسب الأول من هذا الاعتراف.

أما الكسب الآخر وهو الأهم، والأعجب، فهو أن هذا الاعتراف من جانب الله سبحانه، بأنه لا يستنكر من عباده أن يكرهوا هذا التكليف الثقيل، يجعل هؤلاء العباد يندفعون إلى القتال بحماسة عجيبة، فيضحون بأنفسهم في بساطة، ويستشعرون لذلك لذة كأنهم مقبلون على عرس يستمتعون فيه بنعيم الحياة! وترى عندئذ تلك النماذج البشرية المعجِبة التي لم تكن أفرادًا بل جماعات، يقول الواحد منهم: أليس بيني وبين الجنة إلا أن أقتل هذا الرجل أو يقتلني؟! ثم يلقي بنفسه في المعركة فيستشهد وهو قرير العين!

فتلك البطولة الفذة قد صاحبت هذا الاعتراف الصريح بحق المجاهدين في كراهية القتال. ولكنا لو فرضناه عليهم، وقد حرمناهم الحق النفسي في كراهيته -إذا شاءوا أن يحسوا بها -لذهبوا إليه كارهين مكبوتين مضطربين.

وهذه الصراحة ذاتها نجدها في فرض بعض التشريعات. يقول القرآن:"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا".

فهو هنا يقرر أن في الخمر والميسر منافع للناس. ولكنه يبين سبب المنع في أن الإثم الذي ينشأ عنهما أكبر من النفع. ولو قد نفى منذ البدء أن فيهما أية فائدة لأحد، لقام الناس يعارضون، أو لأطاعوا -حين يطيعون- وهم غير مقتنعين بحكمة هذا الفرض، فلا يخلصون في تنفيذه، كما يصنع الأوربيون في بعض أوامر الكنيسة (كتحريم الطلاق مثلًا) فيتحايلون عليه بوسائل غير نظيفة [1] .

يعترف الإسلام إذن بالواقع البشري كما هو، ويتقبل الإنسان بدوافعه ونوازعه الفطرية، ولا يطرده من رحمة الله حين يحس بهذه الشهوة أو تلك.

ولكنه في ذات الوقت الذي يعترف له فيه بحقه في تلك المشاعر، فيحميه من الكبت اللاشعوري المؤذي، لا يتركه ينطلق مع هذه الشهوات إلى آخر المدى، فيستعبد لها، ويصبح خاضعًا لإلحاحها، لا فكاك له من ربقتها.

وإذا كان في اعترافه بوااقع البشر يتميز تميزًا واضحًا عن النظم والعقائد الرهبانية، فهو في فرض القيود على شهوات الإنسان يتميز عن الدعوات الغربية المتحللة الفاسدة. فهنا موضع الخلاف بين الإسلام وبين علم النفس الغربي، الذي يدعو لإطلاق الإنسان من كل القيود.

ويسأل المتأثرون بالاتجاهات الغربية المنحلة، والذين استعمرت أوربا أرواحهم: لماذا؟ لماذا نفرض هذه القيود الثقيلة على الإنسان؟ لماذا لا نطلقه حرًا من كل قيد، فيستمتع بالحياة الدنيا، ويفرغ باله من ضغط الجسد الملح، فينصرف للإنتاج والاختراع، نشيطًا طليقًا، كما يصنع الغربيون فينعمون ويرتفعون ويرتقون ويَغْلِبون؟!

(1) انظر الهامشة رقم (1) صفحة 92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت