الصفحة 53 من 162

وتلك مسألة جديرة بالعرض والمناقشة. لأن أولئك المستعبدين لأوربا، شرقها وغربها سواء، لا يتصورون أبدًا أن أوربا يمكن أن تخطئ! ولا يتصورون أن أي نظام يخالفها يمكن أن يكون على صواب. ويبهرهم لألاء الحضارة الغربية المادية فيسحر عقولهم وأرواحهم، ويشعرون بضآلة أنفسهم وحقارتها بجانب هذا البريق الخاطف الأخاذ، فلا يطيقون أن يعتقدوا أن في الإمكان أبدع مما كان!

وي! هل يمكن أن تكون الأمم التي تملك الطائرة والمدفع والقنبلة الذرية المهلكة، قائمة على أساس حضاري أو نفسي فاسد، ونكون نحن الضعفاء المتأخرين بحيث ننتقد حضارتهم، ونزعم أن لنا خبرة بالنفوس -أو بشيء على الإطلاق- أكثر من خبرتهم؟

كلا! كلا! رحم الله امرأ عرف قدر نفسه!

ومع ذلك فهذا كله صحيح! [1]

إن تلك القيود التي يفرضها الإسلام ضرورة إنسانية ملحة، ضرورة لازمة لحفظ كيان الفرد ذاته، لا كيان المجتمع وحده. ولو أنها كانت من مستلزمات المجتمع فحسب، لما نقص هذا من قدرها، ولا جعلها سخرية للساخرين. فليس المجتمع مفروضًا على الفرد من الخارج. ولولا تلك الرغبة الملحة في نفس الفرد أن يستأنس بغيره، ويتعاون معه، ويشعر بالراحة في وجوده، لما وجد المجتمع؛ فهو إذن حقيقة نفسية نابعة من نفس الفرد، لم يفرضه عليه نظام ولا دين ..

ولأهمية هذه النقطة أفردنا لها فصلًا خاصًا في هذا البحث هو فصل"الفرد والمجتمع". ولكن يكفينا هنا أن نشير إلى أن الخضوع لضرورات المجتمع، هو في الوقت ذاته خضوع لدافع نفسي أصيل في نفس الفرد، لا غنى له عن إجابته، ولا يسعده ألا يستجيب إليه.

ولكن المهم أن القيود التي فرضها الإسلام، منظور فيها لمصلحة الفرد ذاته أولًا وقبل كل شيء ... وأن الإسلام، أو أي نظام آخر على الأرض، لو أطلق الإنسان من عقاله لعاد ذلك عليه بأبلغ الضرر في القريب أو البعيد.

وإذا كان حاضر أوربا وأمريكا يخفي هذه الحقيقة ببريقه الخاطف، فليعلم المخدوعون بهذا البريق أن عقلاء الأوربيين والأمريكان أنفسهم ينادون بمثل ما ننادي به. وليعلموا كذلك أن الخطر إذا استتر حينًا، فهو موجود على أي حال، ولا بد أن يؤتي ثماره البغيضة ذات يوم. بل هو قد آتى بعض هذه الثمار فعلًا في فرنسا التي هوت على ركبتيها عند أول ضربة من الألمان، خاضعة ذليلة تستجدي الظافرين. وآتى ثماره كذلك في نشوب حربين عالميتين في ربع قرن، والثالثة على الأبواب تنذر بهلاك العالم كله. وغير هذا وذلك تلك الأمراض النفسية والاضطرابات العصبية والجنسية، وحالات ارتفاع ضغط الدم .. الخ التي تنتشر في أمريكا ذاتها، بلد الحرية والانطلاق، والمثل الأعلى أمام المخدوعين والمغفلين! [2]

إن الإنسان ليتميز عن الحيوان بالحرية التي منحها الله له في التفكير والتنفيذ.

فالحيوان مقيد بحدود غريزته. هي التي تفرض عليه حركاته وسكناته، وهي التي تعين له نواحي نشاطه؛ وأهم من ذلك أنها تعين له مدى الاستجابة لحاجات الجسد.

(1) حين صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب (1952) بل حتى الثالثة (حوالي 1960) لم تكن علامات التفسخ والانهيار في الحضارة الغربية قد بدت واضحة كما هي اليوم. ولكنها اليوم أوضح من أن يجادل فيها المجادلون، بعد أن اعترف بفسادها أصحابها الأصليون!

(2) حين صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب (1952) بل حتى الثالثة (حوالي 1960) لم تكن علامات التفسخ والانهيار في الحضارة الغربية قد بدت واضحة كما هي اليوم. ولكنها اليوم أوضح من أن يجادل فيها المجادلون، بعد أن اعترف بفسادها أصحابها الأصليون!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت