الصفحة 54 من 162

فهو يأكل بدافع الغريزة حين يجوع، وينتقى ألوانًا معينة من الغذاء بدافع الغريزة كذلك، لا اختيار له ولا إرادة. ثم هو يكف عن الطعام حين تقرر له غريزته حد الاكتفاء. وهدف الغريزة من تقرير هذا الحد، هو منع الضرر عن الحيوان لو أسرف في الطعام عن الحد الذي يتناسب مع طاقة هضمه وتمثيله. ويظل هذا الحد غريزيًا ما دام الحيوان على طبيعته وفطرته. فإذا استؤنس، وصار يعتمد على الإنسان في الحصول على طعامه، فقد يضل أحيانًا عن هدي الغيزة، فيلزم حينذ أن يتولى راعيه تحديد القدر الذي يؤدي الغرض، ولا يعود بالضرر على الحيوان.

والغريزة -في بعض الحيوانات- تقوم بكسوة الحيوان عند البرد، ونزع هذه الكسوة عند ظهور الحر، دون أن يكون له إرادة في ذلك، ودون أن يملك تأخيره عن موعده أو تقديمه.

أماا لنشاط الجنسي فله عند الحيوان مواسم معينة يهيج فيها الذكر والأنثى للقاح والإخصاب. فإذا انتهى الموسم امتنعت الأنثى على الذكر، وكف الذكر بدوره عن المحاولة.

وبهذا تضمن الغريزة ألا يستهلك من النشاط الحيوي للحيوان قدر أكثر مما تحتمله طبيعته، فيفسد جسده ويتحلل، ويضيع على الحياة فرد من أفرادها قبل الأوان الطبيعي لاستهلاكه!.

أما الإنسان فقد كرمه خالقه فنزع عنه قيد الغريزة، على الأقل في طريقة التنفيذ ومداه. فإلا يكن الإنسان حرًا في الدوافع المفروضة عليه من الداخل، فهو حر في الطريقة التي يستجيب بها لتلك الدوافع، والمدى الذي يذهب إليه حين يستجيب.

فماذا يحدث لو استغل الإنسان هذه الحرية إلى أقصى المدى، ولم يقم لنفسه الحدود التي تقف عند حد الاكتفاء المعقول؟

يظن بعذ البسطاء أن هذا أدعى إلى زيادة المتعة، وإلى الشعور بالسعادة والامتفاء. ولكن الأمر في هذا ليس متروكًا للنظريات؛ فالواقع التجريبي يحسم الجدل، ويوفر علينا النقاش.

ولنبدأ بالطعام، فقد يكون الحديث فيه أقرب إلى الفهم والتصديق. فبعض الناس يسرف في الطعام عن الحد الذي تتطلبه حاجة الجسد من بروتينات وفيتامينات وأملاح وعناصر أخرى، ويخيل إليهم في بادئ الأمر أنهم يستمتعون بهذه الزيادة، وينالون من اللذة أكثر مما ينال الفرد الطبيعي، الذي يقنع بالقدر المعقول من الطعام.

ولكن الأيام تمر، فإذا هذا الأكول يزداد نهمًا كل يوم، ويصل إلى درجة لا يشبع فيها أبدًا مهما قدم إليه من الطعام. ويصبح كما تقول العامة"فجعان!!".

كيف حدث ذلك؟ إن معدته وأمعاءه قد اتسعت عن الحجم الطبيعي، فلم تعد تكتفي بالقدر المعتاد، وأصبح لا بد لملئها من كميات ضخمة هائلة. وما تكاد تمتلئ حتى تعود إلى الفراغ وطلب الطعام من جديد. وهكذا يفقد هذا النهم لذة الاكتفاء والامتلاء، التي يشعر بها الشخص السوي، ويظل عمرَهُ معلقًا لا تطيب له الحياة.

وأكثر من ذلك أن شهوة الطعام تستعبده فلا يعود بيده أن يأكل أو يمتنع. وإنما هو أبدًا مشدود إلى هذه الشهوة، يتبعها حيث تقوده ولا يملك حريته معها. فكيانه كله، وتفكيره ونشاطه، محدود بهذا الموضوع الواحد لا يتعداه. وتنحصر رغباته في أكلة شهية، فإذا كان غنيًا أنفق فيها أمواله. وإن كان فقيرًا تدنأ على موائد الأغنياء! فأية حقارة إذن تلك التي تهبط بالإنسان إلى هذا الدرك فتحرمه إنسانيته، وتقعد به عن الارتفاع إلى حيث ينبغي للبشر أن يرتفعوا، بأفكارهم وأرواحهم، إلى آفاق أخرى أوسع من الطعام والشراب؟ وكيف تصير الحياة التي يكون أفرادها مشغولين أبدًا بلقمة الطعام؟ متى ترتقي؟ وأنى لها أن تصل إلى المشاعر والأفكار والمخترعات التي تعود بالخير على الجميع؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت