الصفحة 55 من 162

من أجل هذا إذن يقول الإسلام:"وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا". فيبيح المبدأ، ويضع القيود في التنفيذ، القيود التي تهدف أولًا إلى سلامة الفرد، ثم إلى رفعته واارتقائه.

والجسم مثلًا في حاجة إلى الراحة، لأنه بغيرها تصبح الحياة عذابًا لا يطاق. والإسلام يلحظ ذلك، فيقول النبي الكريم:"إن لبدنك عليك حقًا".

ولكن الإسراف في الراحة، الذي يُظن في بادئ الأمر أنه أدعى إلى زيادة الاستمتاع، يؤدي عاجلًا أو آجلًا إلى الكسل والاسترخاء. والكسل ليس متعة. لأن الكسول يشعر"بالعجز"عن الحركة والنشاط. بل يصير النشاط أمنية عزيزة المنال، لأن"ميكانيكية"الجسم تتأثر كلها بهذا الإسراف في الراحة فتكسل عن أداء عملها، فلا تفرز الغدد إفرازاتها بالقدر المطلوب، وتقعد الأعضاء التي تطرد الفضلات عن نشاطها، فتتراكم السموم وتؤدي إلى الفتور والخمول.

وهكذا تنقلب المتعة المرجوة إلى مرض وعذاب. ويحتاج الكسول المترف إلى منشطات غير عادية تنهك ماله وصحته، لكي يستمتع بقدر معقول من النشاط، كان يستطيع أن يناله في هدوء ويسر لو وقف عند حد معقول.

فحين يحرّم الإسلام الترف، ويصوره في صورة بغيضة منكرة، يكون من أهدافه سلامة الفرد ذاته، والاحتفاظ به في حالة سوية تهيئ له الاستمتاع بقسط معقول من متعة الحياة.

ونحسب أن هذا الكلام من البديهيات التي لا تحتاج إلى جدال في الشرق ولا في الغرب. وإنما يدور الجدل الأكبر حول المسألة الجنسية. فيرى الغربيون وعبيدهم في الشرق، أنه ينبغي أن تطلق للفرد حريته كاملة فيها، لكي يفرغ من ضغطها الدائم على أعصابه، ويخصص جهده لما ينفع، بدلًا من أن يضيع هذا الجهد في مجاهدة دفعة الغريزة، وفساد الأعصاي نتيجة لذلك الجهاد.

وتلك مسألة نرى من أهميتها ما يجعلها جديرة بفصل مستقل نبحثها فيه من أطرافها جميعًا. ولكنا نستطيع هنا ونحن نبسط النظرة العامة للإسلام أن نقول: إن شأن المسألة الجنسية في هذا الصدد، هو شأن كل شهوة أخرى من شهوات الجسد أو النفس، قد يظن قصار النظر أن إباحتها وفتح الباب أمامها على مصراعيه، حريّ بأن يقلل من ضغطها الملح أو يقضي عليه. ولكن الواقع يكذب ذلك. فأقدر الناس على الانصراف عنها بأفكارهم والابتعاد عن إغرائها العنيف -لفترة من الوقت- ليسوا هم الغارقين فيها لأذقانهم، ولا"المستمتعين"بلذائذها المتاحة في كل حين! صحيح أن المحرومين هم كذلك عاجزون عن الانصراف عنها والابتعاد عن إغرائها. ولكن المهم أن المسرفين فيها ليسوا أقل منهم عجزًا، بل ربما كانوا أكثر. لأن هذه الشهوة، كبقية الشهوات، لا تشبع بزيادة ما يقدم لها من وسائل الإشباع، بل تزداد اشتعالًا ونهمًا، حتى تصبح عذابًا لا يهدأ ولا يترك صاحبه في راحة، فلا هو يشعر بالاستمتاع الحقيقي، ولا جسده يحتمل الجهد الدائم، الذي يستلزمه طلب الإرواء المستمر، لظمأ كافر لا يرحم!

بل إن هذه الشهوة -لعنفها وتعمقها وشمولها لكثير من نواحي النشاط- أخطر من كل شهوة أخرى حين يباح لها التفريغ الدائم، الذي يؤدي بدوره إلى الظمأ الدائم، لأن استعبادها للإنسان في هذه الحالة يكون أعنف وأشد. وهي كفيلة بأن تفسد عليه عقله وتذهب بصوابه، وتجعله عررضة للهبوط والانحلال، حتى يصبح في النهاية جسدًا ينزو كالبهيمة، لا يرتفع بفكره ولا بروحه عن مستوى الحيوان، فضلًا على أنه حيوان هائج على الدوام.

فحين يضع الإسلام الحدود للشهوة الجنسية، بعد أن يعترف بها من حيث المبدأ، لا يصنع ذلك تحكمًا واعتباطًا. وإنما يهدف قبل كل شيء إلى حفظ كيان الفرد، وإلى مصلحته الخاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت