الصفحة 45 من 162

وإنما تقصد أن نرد للإنسان اعتباره. نرد إليه كرامته كإنسان. ونرد إليه حرية التصرف إزاء المادة وإزاء الظروف المحيطة بن من الخارج. ونرده إلى أصول إنسانية نقيس بها تطوره، ورفعته أو هبوطه. ولا نصوره في تلك الصورة الزرية التي يرسمها الماديون، حين يجعلونه عاجزًا أمام كل القوى، خاضعًا لسلطانها القاهر بلا إرادة ولا اختيار [1] ، وحين يلغون كل القيم الثابتة ويقولون إنها مجرد انعكاس لصورة الإنتاج! إن الأخلاق ليست فقط انعكاسًا للحالة الاقتصادية. فإن لها مقياسًا ثابتًا قوامه عدم اعتداء إنسان على إنسان، لأن الجميع إخوان في الإنسانية. وقد رسم الإسلام هذا المقياس، وحاسب الناس على أساسه، في وقت كانت المعايير الخلقية المنعكسة عن الحالة الاقتصادية تبيح الإغارة والعدوان والقتل والغصب، كما تبيح وأد البنات وحرمان المرأة من حقوقها الإنسانية. صحيح أن الإسلام أقام المجتمع على أساس اجتماعي واقتصادي متوازن، ليضمن تنفيذ معاييره الخلقية، وذلك لأنه لا يعيش في عالم المثل منعزلًا عن الواقع المادي. وصحيح أن المجتمع الذي يختل ميزانه الاقتصادي يعجز عن المحافظة على أخلاقه القياسية. ولكن ذلك كله لا ينفي أن هناك أصلًا ثابتًا للأخلاق وأن على الإنسانية أن تصل إليه، من كل طريق يضمن الوصول، فإذا عجزت عن ذلك فترة من الزمن، عادت إلى المحاولة من جديد، بتعديل أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والروحية في آن.

والأسرة ليست فقط علاقة اقتصادية. فهي كذلك أصل من أصول الإنسانية. فإذا كانت الظروف الاقتصادية تذهب بها ذات الشمال وذات اليمين، فذلك لا ينفي أن هذا مقياسًا ثابتًا، هو قيام العلاقة بين أهلها على أساس الحب والعطف والتعاون، بما يليق بكرامة الإنسان. فإذا وقفت الظروف الاقتصادية أو الدعاوى النفسية المنحرفة عن تحقيق هذا المثال، فهي إذن مخطئة، وعلى المجتمع أن يصلحها ليعود بها إلى الصورة الصحيحة.

بل إن الاقتصاد ذاته مسألة نفسية، تتغير بتغير الشعور به في النفوس. فهو في صورته العليا تعاون بين المالكين وغير المالكين، بحيث لا يكون هناك واجد ومحروم. وإنما الجميع منتفعون ومستمتعون. وهو في صورته الدنيا استغلال آثم من الواجدين، وحقد ثائر من المحرومين، يتلوه الصراع بين هؤلاء وهؤلاء.

ولو كان الاقتصاد، لا الإحساس به، هو القيمة الموضوعية الحقيقية، وهو القوة المؤثرة، لما احتاج الشيوعيون إلى هذا الجهد الضخم في نشر دعوتهم، وإثارة"وعي"الجماهير بحالتهم الاقتصادية السيئة. ولتركوا الحالة الاقتصادية وحدها تنقل الناس إلى الشيوعية نقلًا آليًا دون جهد ولا دعاية!

وحين نؤمن بالإنسان على هذا الوضع، ونعتقد بأن النفس الإنسانية هي الأصل الكبير الذي يرسم الحياة، وأن الاقتصاد أو الإنتاج المادي .. الخ.، ليست إلا منابع من هذا الأصل الكبير، أو ألوانًا تلون السلوك والنشاط، نكون قد ارتفعنا بالإنسانية إلى مستواها الحق، ولا نكون قد جانبنا العلم في الوقت ذاته. فالنفس عالم واسع يشمل الاقتصاد والمادة، ويشمل الأفكار والمشاعر. يشمل ضرورات الجسد القاهرة، وسبحات الروح الطليقة، وكلها أصيلة أصيلة .. ولو كره الماديون.

(1) من شدة ما وجه من النقد إلى كارل ماكرس، اضطر الماديون أن يعترفوا بأن الإنسان متأثر ومؤثر في ذات الوقت. ولسنا نكره للناس أن يهتدوا إلى الحق. ولكنهم مع الأسف لا يذكرون ذلك إلا في الجدل النظري، أما في الوقائع فهم يكشفون عن إيمانهم بالجبرية الاقتصادية، وخاصة حين يبالغون في إهمال العقيدة الدينية، والحط من قيمتها كقوة حقيقية دافعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت