الصفحة 44 من 162

بل نفرض جدلًا أن المغانم كانت الدافع الوحيد على القتال، وهذا كذب على التاريخ. فكيف استطاعت الحفنة القليلة أن تتغلب على أضعاف أضعافها من العدد والعدة والخبرة العسكرية العريقة؟

إنها العجيبة العظمة في تاريخ هذه العقيدة الفذة في التاريخ.

والعجيبة الثانية أن هذه العقيدة -وهي فكرة وشعور- قد أنشأت لنفسها نظامًا اقتصاديًا واجتماعيًا غير مسبوق في التاريخ كله، وما زال متفردًا حتى اليوم. فحرمت الربا والاحتكار، وقررت حق ولي الأمر (أي الدولة) في أخذ فضول أموال الأغنياء وردها على الفقراء. بل أطلقت يده في اتخاذ أي إجراء يراه كفيلًا بحفظ التوازن في المجتمع، على أساس أن المال مال الله، والجماعة مستخلفة عليه. والمالك موظف فيه بشرط حسن القيام عليه وعدم إيذاء الآخرين، وإلا استرد منه حق التصرف فيه وأعطي لمن يحسن القيام عليه [1] .

ولم يكن ذلك كله تحت ضغط الظروف المادية والاقتصادية في جزيرة العرب، أو في العمال كله في ذلك الحين. ولا كانت أحوال الإنتاج قد تطورت إلى الحد الذي يصبح هذا النظام نتيجة حتمية لها -حسب قوانين المذهب المادي- وإلا فقد ظل العالم أكثر من ألف وثلثمائة عام، توالت عليه فيها ألوان من الرق والإقطاع والرأسمالية، حتى وصل إلى شيء قريب من النظام الإسلامي، في انجلترا الاشتراكية وروسيا الشيوعية!

والعجيبة الثالثة أن القوم الذين تملكت هذه العقيدة مشاعرهم قد ثاروا على بذور التفاوت الاجتماعي أيام عثمان. لا لأنه كان قد استنفد أغراضه -كمرحلة اجتماعية تطورية- وصارت أساليب الإنتاج تستدعي الثورة عليه، لتستبدل به مرحلة تالية. كلا! وإنما كانت الثورة ناشئة عن شعور المسلمين بأن الأمور لا تجري كما ينبغي أن تكون، وأنها تخالف الحق والعدل الأزليين اللذين أمر بهما الله ... وقد ثاروا حينئذ -وهم قريبو عهد بروح الإسلام- ولم يثوروا بعد ذلك حين ابتعدوا عنها فطواهم الانحراف وهم صاغرون!

والعجيبة الرابعة أن الانحراف الذي امتد أيام الدولة الأموية، لم يفرض نفسه كقوة جبرية على مشاعر عمر بن عبد العزيز. فقام يصلحه، ويرد الدولة إسلامية كاملة في سياسة الحكم والمال، ويأخذ من أمراء بني أمية ما استلبوه من الناس فرده إليهم. وينشر العدالة الاقتصادية والاجتماعية في ربوع العالم الإسلامي، الذي كان قد امتد من الهند إلى شمال أفريقيا، حتى كان عماله يبحثون عن الفقراء والمستحقين للصدقة فلا يجدونهم، لأن الناس جميعًا قد استغنوا بكسب أيديهم.

ولم يكن ذلك لأن هناك مرحلة تطورية فد انتهت، فقد عاد الانحراف سيرته الأولى بمجرد انقضاء عهد عمر بن عبد العزيز. وإنما كان سببه يقطة العقيدة في قلب هذا المسلم الحق، حطمت"الجبرية"الاقتصادية، وأخضعتها"لمشاعر"فرد واحد أراد، ونفذ ما أراد، مستمدًا قوته من عقيدته في الله!

ولست أعني بهذا أن العقيدة، كفكرة وشعور، تستطيع بمفردها في جميع الأحوال أن تقاوم الظروف المادية والاقتصادية السائدة، أو تسيطر عليها. وإن كانت تستطيع ذلك عن يقين، حين تصل حرارتها في قلوب المؤمنين بها إلى درجة التوهج والاشتعال.

(1) في كتاب"في شبهات حول الإسلام"شيء من التفصيل في هذه الموضوعات في فصول:"الإسلام والإقطاع"و"الإسلام والرأسمالية"و"الإسلام والملكية الفردية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت