وهم يقولون: إن المجتمع لن تستقيم أوضاعه إلا إذا بني على أساس اقتصادي مكين وهذا صحيح لا جدال فيه. ولكنه لا يحمل الدلالة التي يريدون أن يحمّلوها إياه، وكل ما يعنيه هو أنك إذا أردت أن تقيم بناية جميلة فعليك أن توطد الأساس، وإلا تصدع البناء مهما كان فيه من إبدع وفن دقيق. ولكن أية حماقة تلك التي تقول: ما علينا إلا أن نبني الأساس المتين. وسوف يتم البناء من تلقاء نفسه بعد حين؟!
إن إقامة الأسس الاقتصادية الصحيحة ليست غاية في ذاتها كما يفهم الشيوعيون في بلاهة وقصر نظر. إنما هي وسيلة لإقامة المجتمع على أسس إنسانية رفيعة. وكل مهمتها أن تهيئ الجو الصالح للارتفاع الخلقي والفكري والروحي، والإنساني بصفة عامة. ولكنها لا تؤدي إلى ذلك بطريقة آلية، وبغير جهد إيجابي يبذل في رفع الأرواح والنفوس. فإذا كان النظام الشيوعي ينتهي في فكر أصحابه عند مطالب الجسد، أو إقامة حكومة عالمية على هذا الأساس، فهو يحدد حدوده بنفسه، وينتهي بها إلى الفناء ذات يوم قريب أو بعيد!
وهم إذ يهملون العقيدة الدينية، وينفون أنها -في ذاتها- قوة حقيقية دافعة، يعجزون عن تفسير كثير من مظاهر الحياة البشرية. وهذا هو الإسلام قد احتل جزءًا كبيرًا من سطح الأرض، وجزءًا مماثلًا من تاريخ العالم. فإذا نظرنا إليه -كنظام اجتماعي- وجدنا فيه عجائب لا يمكن أن تفسرها كل التمحلات التي يقدمها التفسير المادي للتاريخ.
أولى هذه العجائب وأعظمها أن الإسلام قد انتشر بسرعة مثالية ما تزال فريدة حتى اليوم. ففي أقل من عشر سنوات، أيام عمر بن الخطاب، كان قد غمر فارس والعراق والشام ومصر والنوبة فضلًا على الجزيرة العربية. فأي تغيير مادي، وأي تغيير في أساليب الإنتاج في تلك الفترة القصيرة، قد أنشأ هذه الحركة التي لا مثيل لها في التاريخ كله، في القوة والسرعة والاندفاع؟
لم يكن ثمة بارود ولا اختراع حربي -مادي- يتفوق به حفنة العرب، الذي انطلقوا من الجزيرة يبشرون بالإسلام، على قوى الإمبراطوريتين العريقتين: في فارس وبلاد الروم. بل كانت القوى المادية والعسكرية كلها في صف هذين المعسكرين. ولم يكن كذلك قد حدث أي اختلاف في وسائل الإنتاج بين بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وما قبلها وما بعدها، إلى وقت هذا الفتح المبين.
وإنما شيء واحد هو الذي تغير. هو"إحساس"هؤلاء العرب بالحياة والكون، وبالحق والعدل الأزليين، اللذين يسخر منهما دعاة المذهب المادي على لسان فردريك إنجلز وسواه. لقد كانت العقيدة الجديدة هي القوة الدافعة في هذا البناء الجديد. وكانت من القوة والسيطرة بحيث قبلت كل الحقائق المادية السابقة وقضت عليها، في زمن كانت السنوات العشر أو الخمسون أو المائة لا تؤثر شيئًا في حياة الناس الرتيبة، وفي أوضاعهم الاقتصادية والمادية.
وليس ينفي هذا أن أفرادأ من المقاتلين كانت تغريهم المغانم فيخرجون إلى القتال. ولكن الحركة في مجموعها لا يجوز أن تؤخذ بهؤلاء الأفراد، وهي التي كانت تدعو الناس أولًا إلى الإسلام. فإن أسلموا فهم منذ اللحظة الأولى متساوون في الحقوق والواجبات مع أهل الجزيرة الفاتحين. لا يتميز عليهم هؤلاء بشيء في المال ولا في السياسة ولا في القرب من الله ورسوله. فإذا أبوا الإسلام فالجزية؛ وهذه تصرف أولًا على المحتاجين من أهل البلاد المفتوحة، ثم يحمل الباقي إلى بيت مال المسلمين، فهو ليس مغنمًا شخصيًا، ولا هدفًا للدولة تفضله على إسلام المسلمين! فإن أبوا الإسلام والجزية فعند ذلك فقط يدور القتال ...