الصفحة 42 من 162

هذه بديهية. وإنما ينفيها الماديون لأنهم لو أقروا بها فسينفتح المجال لمن يريد أن قول: إن حب الملكية والاقتناء أصل من الأصول النفسية، السابقة في وجودها على الحالات الاقتصادية المختلفة. وهم يريدون أن يقفلوا الطريق أمام هذه الدعوى سواء كانت صادقة أو كاذبة [1] ، فينفون منذ البدء أن النفس الإنسانية هي الأصل، وأن الظروف المادية والاقتصادية تكيف المشاعر ولكنها لا تنشئها من العدم. وأن شعور الإنسان هو الذي يعين وجوده بالتفاعل مع الظروف المادية الخارجية.

فالشهوة المذهبية إذن هي التي تنكر هذه الحقائق البديهية، وإن كانت تتمسح بالعلم وقضاياه.

على أن الكارثة العظمى في المذهب المادي هي تحديد مطالب الإنسان بالغذاء والكساء والإشباع الجنسي [2] وإهمال الأمور الأخرى كلها -وأخصها العقيدة- باعتبارها أشياء ثانوية غير مهمة، ولا يضير الدولة أو أي نظام اجتماعي ألا يلتفت إليها، إذا هو قام بتحقيق تلك المطالب"الأساسية".

وما يجادل أحد في أن هذه ضرورات لا تتيسر بدونها الحياة، وأن كل نظام يهملها، أو لا يعطيها حقها من الرعاية والجهد نظام فاسد فاشل، مهما كانت"المعنويات"التي تقوم في رءوس أفراده. لأن المعنويات ليست شييئًا مقصودًا لذاته. وإنما المقصود منها تنظيم الحياة في الأرض على صورة أفضل وأرفع. فإذا لم تؤد مهمتها تلك على صورة من الصور، لأفراد المجتمع، ولأجيال الإنسانية، فهي لا تستحق أن توجد أو تعيش ...

ولكن تحديد مطالب الإنسان بمطالب جسده فقط هو من الناحية الأخرى نقص شائن، وهبوط بالإنسان من عليائه إلى مستوى الضرورة، وإلى حظيرة الحيوان.

وإذا كانت حاجات الجسد هي أول ما يصرخ في طلب الإشباع، فليس معنى ذلك أن الإنسان كله ينتهي عند هذه المطالب، أو أنها وحدها الجديرة بالإشباع. وكل نظام أو فكرة عالمية لا يجعل همه إلا حاجات الجسد القريبة هو نظام فاسد، مهما كانت دقة تنظيمه، ومهما كانت العدالة المادية أو الاقتصادية التي ينشرها بين الكادحين أو غير الكادحين.

إن الإنسان لأوسع من هذه الحدود الضيقة التي يريد الماديون أن يحبسوه في داخلها. وإن كل ما وجد على ظهر الأرض في الميدان المادي والفكري والشعوري لهو نتاج إنساني أصيل، وتعبير عن حاجة نفسية أصيلة. الفن والعقيدة والمثل العليا، وأحلام البطولة وسبحات الروح، والسيارة الفاخرة، والطائرة المنطلقة في الفضاء، والمدفع، والمصنع وإنتاج الغذاء والكساء. كلها سواء. وليس اختراع الآلة والوصول إلى الإنتاج الكبير أعظم في طبيعته ولا دلالته من الوصول إلى العقيدة والاهتداء إلى الله. كل منهما دليل على عظمة المخلوق البشرية وارتفاعه عن مستوى الحيوان. بل الاهتداء إلى الله أعظم في دلالته على رفعة الإنسان وإشراق روحه، واتساع آفاقه أن تنحصر كالحيوان في عالم المادة أو مدركات الحواس.

والنظام الأوفى هو الذي يأخذ الإنسان في مجموعه. لا يهمل مطالب جسده، ولا ينكر مطالب روحه، أو يدعها تنبت نباتًا"شيطانيًا"كيفما اتفق، بحجة أنها ليست من ضرورات الحياة!

(1) انظر فصل"الإسلام والملكية الفردية"في كتاب"شبهات حول الإسلام".

(2) هذه هي المطالب التي حددها كارل ماركس في"المنيفستو"وسماها:"The Three Satisfactions".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت