الصفحة 41 من 162

وهم يقولون: إن إحدى وسائل التضخم الرأسمالي هي إنتاج وسائل الترف على نطاق واسع. وهذا صحيح. ولسنا هنا بصدد الدفاع عن الترف أو عن الرأسمالية، فكلاهما حرام في نظر الإسلام [1] ؛ ولكنا نتناول المسألة من الناحية النفيسة، لأنها ذات دلالة كبيرة في هذا البحث. فإنتاج وسائل الترف ليس هو الذي ينشئ رغبة الترف في النفوس! ولولا أن في النفس الإنسانية استعدادًا طبيعيًا كامنًا للملل من الأشياء القديمة، أو التي أصبحت معتادة، والسعي إلى شيء جديد أو نمط جديد، لما استطاعت الرأسمالية أن تصرف بضائعها المستحدثة على نطاق واسع. فكل حالة اقتصادية أو نتاج اقتصادي له رصيد مقابل في النفس الإنسانية، سابق على وجوده. وكل ما يصنعه الاقتصاد هو أن يلبي هذه الحاجات البشرية الكامنة. وليس ينفي هذا بطبيعة الحال أن المنتجات الحديثة"تكيف"المشاعر بطريقة خاصة، وأن هذا التكييف ينشئ صورًا جديدة من الأفكار والمشاعر لم تكن موجودة من قبل. هذا مسلم به. ولكن الذي نريد أن نؤكده، هو أن الأصول النفسية لهذه المشاعر موجودة في النفس الإنسانية من قبل ظهور هذه المنتجات. وأن هناك فرقًا كبيرًا بين تكييف المشاعر الموجودة فعلًا، كامنة أو غير كامنة، وبين إنشاء هذه المشاعر دون أن يكون لها وجود سابق في داخل النفس. فليس اختراع الطائرة هو الذي أنشأ الرغبة في الطيران. وإنما هذه الرغبة -وهي حلم بشري قديم، بدأ مع طفولة البشرية، وتدرج معها، حتى حاول بعض الأناسيّ أن يركّبوا لأنفسهم أجنحة من الريش ويجربوا الطيران بها كالطيور! - هذه الرغبة هي التي حققها العلم بعد ذلك في صورة طائرة! صحيح أن اختراع الطائرة قد أحدث تطورات هائلة في علاقات الناس ومشاعرهم. ولكن هذا لا ينفي أن الرغبة النفسية هي الأصل.

وهم أنفسهم يقولون: إن الأسرة كانت قائمة في أول عهدها على أساس سيطرة الأم، فكان الميراث ينتقل من الرجل إلى إخوته وأخواته، لا إلى أولاده. فلما ملك الرجل وسائل الإنتاج وحده، حول الأسرة إلى نظام سيطرة الأب، حتى يتمكن من نقل ما يملكه إلى أولاده. فلماذا يا ترى حدث ذلك؟ هل ملكية وسائل الإنتاج هي التي غيرت مشاعر الأب فجعلته يحب أولاده ويؤثرهم بالخير، ولم يكن يحبهم من قبل؟ أم إن هذا الحب سابق في وجوده للتطور الاقتصادي، وكان ينتظر الفرصة المناسبة لتحقيق أهدافه؟

تلك مسائل نحسبها من البداهة بحيث لا تحتمل المناقشة. فالإنسان يولد وفيه على الأقل هذان الأصلان الكبيران: حب الحياة، ثم الرغبة الجنسية جين يجيء موعدها المحدود. هاتان على الأقل رغبتان لا تنشآن من الحالة الاقتصادية، ظالمة كانت أو غير ظالمة، فكل مخلوق يوجد في أي نوع من أنواع المجتمعات يتشبث بالحياة ولا يتركها إلا كارهًا [2] ؛ ويحس بالرغبة الجنسية على نحو من الأنحاء. وكل ما تصنعه الحياة المادية والظروف الاقتصادية، هو أن"تكيف"الصورة التي يحيا بها الإنسان، فيعيش في قصر أو يعيش في كوخ؛ والصورة التي يقضي بها حاجته الجنسية، فيقضيها في الشارع أو في المنزل أو في الغابة. ولكن هذه الظروف ليست هي التي"تنشئ"هذه الرغبة أو تلك، من أصلل غير موجود في النفس.

(1) تحدثنا عن رأي الإسلام في الرأسمالية في كتاب"شبهات حول الإسلام".

(2) إلا أن تستولي على نفسه عقيدة أكبر من نفسه ومن حياته الفردية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت