أجل لا نحتاج أن نخرج من إسلامنا لنصبح شيئًا من هذه الأشياء، كنتيجة حتمية لاستخدام وسائل معينة للإنتاج، لأن علاقات الإنتاج ليست خارجة عن إرادة الإنسان كما يزعم كارل ماكس. وقد رأينا من الواقع المشهود أن ذلك غير صحيح.
وإنما يذيع الماديون أفكارهم القائمة على جبرية الاقتصاد، ليوحوا إلى الناس في كل مكان أن الشيوعية هي مصيرهم المحتوم، بعدت الشقة أو قربت، فعليهم أن يستسلموا لها ولا يعملوا على مقاومتها! وقد يكون هذا صحيحًا في أوربا، أو في العالم الذي غلبت أوربا عليه. لا لجبرية الاقتصاد. ولكن لأن الحياة الأوربية أو الغربية عامة، قائمة كلها على أساس مادي بحت، لا ينتج إلا الشيوعية في آخر المطاف! أما حين توجد فكرة أخرى عن الحياة والكون أوسع وأرقى، فلن تقف في سبيلها وسيلة من وسائل الإنتاج، لأنها هي التي ستخضع لها كل كيان الدولة الاقتصادي والاجتماعي والفكري على السواء. وقد رأينا أن مجال الاختيار مفتوح في النطاق الصغير، رغم اتحاد الأساس الفكري والفلسفي بين روسيا وانجلترا وأمريكا. فأولى به أن يكون أوسع وأعم حين يختلف هذا الأساس.
فالشهوة المذهبية وحدها هي التي تذيع هذه الأفكار لغاية مرسومة. فلا ينبغي أن تؤخذ على أنها حقائق علمية موضوعية!
وهم يقولون: إن الرأسمالية تجنح إلى استغلال العمال لاستخلاص أكبر ربح ممكن، لا عن قصد من الرأسماليين ولا سوء نية (؟!) وإنما لأن هذه صفة كامنة في طبيعة رأس المال [1] !
فما السند العلمي لهذه الدعوى العجيبة؟!
لا يوجد لها من سند إلا تلازم هذا الجشع مع النظام الرأسمالي في أوربا، وفي العالم الذي غلبت أوربا عليه. ولكن هذا لا ينفي أن الجشع"شعور"صادر من النفس لا من طبيعة رأس المال، حتى وإن كان ملازمًا له على الدوام. وليس معنى هذا أننا نؤمن بالجبرية النفسية في هذا المجال. وإنما نريد فقط أن نرد الأشياء إلى أصلها النفسي، وهو مصدرها الطبيعي. وقد كان هذا الجشع موجودًا في مشاعر الرومان، أسلاف الأوربيين الحاليين، في عهد الرق وعهد الإقطاع، وكانوا يستعبدون به غيرهم من الأمم والشعوب. فهو ليس متولدًا من التطور الرأسمالي ولا نابعًا منه.
وإنما يقول الشيوعيون إنه صفة كامنة في طبيعة رأس المال، وإنه لا يجوز الحكم عليه حكمًا أخلاقيًا، لأنه عمل حتمي كأكل القطة للفأر! يقولون ذلك لكي يصرفوا الأمل عن انتظار الخير والرحمة من الرأسماليين، ولكي يدعوا إلى تحطيم نظامهم بالقوة والعنف.
ونحن أيضًا لا نؤمن بأن الخير يمكن أن يصدر عن النظام الرأسمالي، لا لأن له جبرية على المشاعر، ولكن لأنه لا يمكن أن يقوم من الأصل في ظل مشاعر نظيفة مترفعة، مؤمنة بحقوق الإنسان. فالواقع أن النظام الرأسمالي تابع في وجوده لمشاعر أنانية غير نظيفة، لا أن هذه المشاعر نابعة من هذا النظام!
والشهوة المذهبية وحدها هي التي تقول هذا الكلام العجيب، الذي لا يعرفه العلم من بعيد ولا قريب!
(1) الدكتور راشد البراوي. النظام الاشتراكي ص129.