كل شيء إذن هو انعكاس للحقيقة الموضوعية الوحيدة في هذا الكون، وهي العامل الاقتصادي. والاقتصاد ليس صادرًا عن إرادة الإنسان. وإنما هو كما يقول كارل ماركس خارج عن إرادته، وله قوانينه الموضوعية الخاصة التي ليس للإنسان إزاءها حول ولا طول فهي تسير إلى غايتها المحتومة، وتؤثر في الإنسان في أثناء تطورها، ولكن الإنسان لا يؤثر في قيامها، ولا في بدئها أو إنهائها، لأن ذلك كله يجري حسب سنة التطور التي لم يخلقها الإنسان، وإنما خلقتها"الطبيعة"أم الإنسان!
وقد أسلفنا القول في فصل فرويد عن الأسباب العاطفية -لا العلمية- التي أدت بالأوربيين إلى اعتناق فكرة الطبيعة ونبذ فكرة الله، رغم ما في ذلك من مغالطة مكشوفة. ولكنا ندع هذا الآن وننظر في"حقائق"المذهب المادي، لنرى كم فيها من المغالطات.
فأول ما يتبادر إلى الذهن من أخطاء هذا المذهب هو إيمانه بالجبرية الاقتصادية الكاملة، التي لا اختيار للإنسان أمامها، ولا فكاك له من تأثيرها عليه.
"وسائل الإنتاج تكيف المجتمع""ليس شعور الإنسان هو الذي يعين وجوده، ولكن وجوده هو الذي يعين شعوره".
هكذا يقول كارس ماركس، فيؤكد أن المشاعر تجيء دائمًا لاحقة للعوامل الاقتصادية متأثرة بها، ولكنها لا تكون أبدًا سابقة عليها أو مؤثرة فيها. وما نريد أن ننكر أهمية الاقتصاد، ولا سيطرته على المشاعر البشرية. فنحن نؤمن بأهميته البالغة كمقوم من مقومات الحياة الأساسية، ولكنا نريد فقط أن ننفي جبريته، وأنه العامل الوحيد المسيطر على دنيا البشر.
وأقرب ما يُردّ به على الزعم القائل بأن وسائل الإنتاج هي التي تكيف المجتمع، أن وسائل الإنتاج في أمريكا الرأسمالية، هي نفسها وسائل الإنتاج في روسيا الشيوعية، ومع ذلك فإن استخدامها في روسيا لم يفرض عليها أن تكون رأسمالية! بل إنها لم تبدأ في استخدام هذه الوسائل على أوسع نطاق إلا بعد أن تحولت إلى الشيوعية! فليس أسلوب الإنتاج إذن قوة جبرية تشل حركة الإنسان، وتخضعه لسلطانها القاهر، بدليل أن روسيا قد تصرفت تصرفًا حرًا في أسلوب التوزيع وفي أهداف العمل، على الطريق التي رسمتها لنفسها، ولم تجد نفسها مجبرة إزاء هذا الأسلوب الإنتاجي على اتخاذ طريق واحد لا فكاك منه. كما تصرفت دولة أخرى كانجلترا إزاء الحالة نفسها تصرفًا آخر. وكان تصرف هذه وتلك ناشئًا عن"شعور"معين أو"عقيدة"سابقة في وجودها للتنظيم الاقتصادي، مؤثرة فيه، منظمة لطرائقه وأهدافه. فإذا قيل إن هذا الشعور هو بدوره نتيجة للظروف الاقتصادية السابقة له، سواء في روسيا أو انجلترا، فهذا لا ينفي الاختيار الحر إزاء هذه الظروف. بل إن كارل ماركس -حسب إيمانه بجبرية الاقتصاد- كان يعتقد أن الشيوعية ستقوم في انجلترا أولًا، ثم تنتشر منها إلى بقية العالم الأوربي بعد ذلك. فجاءت الوقائع مخيبة لأفكاره، إذ بدأت في روسيا التي لم تكن قد استكملت نموها الرأسمالي، وتأخرت في انجلترا إلى هذه اللحظة (بصرف النظر عن المستقبل) ، رغم وصولها في النمو الاقتصادي الرأسمالي، إلى المرحلة التي كانت تحتم عليها -حسب الجبرية الاقتصادية المزعومة أن تكون أول من يقع فريسة للشيوعية!
ووسائل الإنتاج الحديثة لا تفرض علينا نحن مثلًا حين نستخدمها، أن نخرج من إسلامنا ونصبح رأسماليين كالأمريكان، أو اشتراكيين كالإنجليز، أو شيوعيين كالروس، إذا آمنا حقًا بهذا الدين، وفهمناه على أصوله الكبرى التي فهمها محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهي مختلفة في أساسها عن هذه النظم جميعًا، ومستقلة عنها، وإن التقت معها أحيانًا في بعض التفصيلات.