الصفحة 38 من 162

فهم إذن لا يؤمنون إلا بالجانب المادي من الإنسان، والعقل في نظرهم أداة مادية تعكس المؤثرات الخارجية ثم تتأثر بها، ولكنه هو في ذاته ليس حقيقة فعالة مؤثرة مريدة!

ويقول ماركس:"في الإنتاج الاجتماعي الذي يزاوله الناس تراهم يقيمون علاقات محدودة لا غنى عنها. وهي مستقلة عن إرادتهم. وعلاقات الإنتاج تطابق مرحلة محدودة من تطور قواهم المادية في الإنتاج. والمجموع الكلي لهذه العلاقات يؤلف البناء الاقتصادي للمجتمع. وهو الأساس الحقيقي الذي تقوم عليه النظم القانونية والسياسية، والتي تطابقها أشكال محدودة من الوعي الاجتماعي. فأسلوب الإنتاج في الحياة المادية هو الذي يعين الصفة العامة للعمليات الاجتماعية والسياسية والمعنوية في الحياة. ليس شعور الناس هو الذي يعين وجودهم، بل إن وجودهم هو الذين يعين مشاعرهم" [1] .

ويقول فردريك إنجلز:"تبدأ النظرية المادية من المبدأ الآتي: وهو أن الإنتاج وما يصحبه من تبادل المنتجات هو الأساس الذي يقوم عليه كل نظام اجتماعي. فحسب هذه النظرية نجد أن الأسباب النهائية لكافة التغييرات والتحولات الأساسيىة يجب البحث عنها لا في عقول الناس أو في سعيهم وراء الحق والعدل الأزليين، وإنما في التغييرات التي تطرأ على أسلوب الإنتاج والتبادل. وإذن فعلينا ألا نبحث عن هذه الأسباب في الفلسفة، وإنما في اقتصاديات العصر الذي نعنيه" [2] .

من هذه المقتطفات تتضح لنا الحقائق الأساسية للمذهب المادي. فالحق والعدل الأزليان ليسا في ذاتهما قيمة موضوعية! ولا هما جديران بأن يسعى وراءهما الإنسان! ومثلهما بطبيعة الحال كل ما يتصل بهما من نبوات وعقائد، ومشاعر دينية أو فنية! إنما الحقيقة الواحدة الأزلية هي الاقتصاد. وهكذا ينفون أثر الدوافع النفسية الأصيلة، فضلًا عن الدوافع الروحية. وهم لا ينفون وجودها في الجدل النطري، ولكنهم يقولون إنها ليست شيئًا قائمًا بنفسه، ولا صادرًا بصورة تلقائية من الكيان البشري ذاته. وإنما هي نتائج للأحوال الاقتصادية، وتلك هي القوة الوحيدة القائمة بذاتها، خارجة عن نطاق الإنسان، ومؤثرة فيه من الخارج.

فالأخلاق ليست حقيقة موضوعية، ولا قيمة ذاتية. إنما هي نتيجة التفاعلات الاقتصادية في المجتمع. فإذا تغيرت علاقات الإنتاج تغيرت معها القيم الأخلاقية، وليس هناك مقياس ثابت تقاس إليه الأمور. والدين -أفيون الشعب- شيء ابتدعه الإقطاعيون والرأسماليون لتخدير الشعوب وشغلها عن صراعها الطبقي، وليس شيئًا سماويًا، ولا حاجة نفسية نبعت من ضمير الفرد حتى في المجتمع الأول الذي لم يكن فيه- باعترافهم- سيد ولا مسود، لأن وسائل الغذاء كانت مباحة للجميع، لكن بقدر ما يريد! والمثل العليا -سخرية الشيوعيين- هي أوهام الجائعين والمحرومين الذين حرمتهم الأحوال الاقتصادية من حاجاتهم فراحوا يحلمون بها. فهي إذن نتاج ضار بالمجتمع، لم ينشأ إلا من سوء الأحوال الاقتصادية، وليست حلمًا للبشرية تطوعت به منذ طفولتها، قبل أن تفرضها عليها تطورات الاقتصاد. والأسرة مصلحة اقتصادية، نشأت من اعتماد المرأة في غذائها وإعالتها على الرجل الذي يملك وسائل الإنتاج، ويفرض على المرأة تبعًا لذلك أن تكون له وحده دون شريك، ولكنها ليست حاجة نفسية متأصلة في نفس الرجل والمرأة على السواء .. الخ. الخ.

(1) ترجمة الأستاذ عبد الفتاح إبراهيم.

(2) ترجمة الدكتور راشد البراوي. النظام الاشتراكي ص 120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت