صحيح أن أنصار المذهب المادي قد نبذوا المنطق الصوري"Formal Logic"؛ الذي كان سائدًا من قبل، والذي ينفي وجود التناقض أو اجتماع الأضداد، لأن هذا المنطق لا يستقيم إلا في عالم ساكن، بينما العالم في حقيقته متحرك دائب الحركة. فلا يصلح لتفسير حركته إلا المنطق الجدلي (الديالكتي Dialectic) لأنه يقر بوجود الأضداد والمتناقضات في وقت واحد، وهي التي تؤدي في نظرهم إلى انتقال المجتمع من صورة إلى صورة. ذلك أن كل نظام في رأيهم يحوي في طياته من المتناقضات ما يقضي عليه في النهاية، وينشئ نظامًا جديدًا بدلًا منه، وهذا النظام الجديد يحوي متناقضات أخرى من نوع أرقى، تظل تعمل في كيانه حتى يصير إلى صورة أخرى أرقى من سابقتها، وهكذا ... فقد أدى اكتشاف الزراعة إلى الرق، وظل الرق نظامًا معمولًا به طالما كان المجتمع يعيش في النطاق الذي يصلح له الرق، ولكن حاجات المجتمع تطورت بعد ذلك بصورة أصبح الرق فيها عائقًا عن التقدم، وهنا تحول المجتمع إلى الإقطاع. وظل الإقطاع يؤدي مهمته حتى تحولت رءوس الأموال إلى الصناعة، فصار الإقطاع عائقًا عن التقدم الرأسمالي لأنه يربط الفلاح بالأرض، ولا يمنحه حرية الانتقال إلى المدينة ليعمل في المصنع. وهنا عمل المجتمع على التخلص من الإقطاع .. وهكذا دواليك.
صحيح أنهم استحدثوا هذا التغيير الفلسفي، وخرجوا منه في النهاية بمذهب المادية الجدلية التي اعتنقها كارل ماركس، وأقام على أسسها فكرة الشيوعية. ولكنها -جدلية كانت أم غير جدلية- مادية على أي حال، لا ترتفع عن مدركات الحس، ولا تؤمن بالروح، بل تعتبر كل ما لا يقع في دائرة الحس خرافة من مخلفات العصور البائدة. وإلى هنا تتفق النظرة النفسية بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لأن أساس الحضارة واحد رغم هذا الاختلاف الظاهري الملحوظ. ولكن الشيوعية والحق يقال تزيد من عندها زيادة طريفة: هي أن تلك الخرافات البائدة كانت من صنع الإقطاعيين والرأسماليين لتخدير الشعوب وتلهيتها عن الصراع الطبقي. أما هم فسيحررون العالم من الخرافة، ويعطونه جرعة من العلاج الصحيح، من"العلم"الذي لا يرقى إليه الشك ولا يتطاول إليه الجدل، ذلك هو: التفسير المادي للتاريخ!
يقول المذهب المادي: إن الإنسان هو القوة الفعالة في هذا الوجود. وتلك جملة براقة قد توحي بأن أنصار هذا المذهب يؤمنون بالإنسان، وبالإنسانية في صورها الرفيعة النبيلة، الإنسان في مجموعه بما فيه من جسد وعقل وروح. ولكن الحق أنهم عندما يقولون ذلك يقصدون فقط أن الإنسان وحده لا شريك له هو المسيطر على الأرض. أي أن وجود إله مسيطر على الخلق عالم بوجودهم، مدبر لشئونهم، لغاية يريدها، هذا كله خارج من حسابهم، وليس له وجود في مشاعرهم ولا أفكارهم. فهم لا يؤمنون بالإنسان ليرفعوا من شأنه، ولكن لينفوا فقط تدخل الإله في شئون الخلق! أما إيمانهم بالإنسان فعلى أساس أنه"مادة"!"إن الوحدة الحقيقية للعالم تنحصر في ماديته ... ولكن إذا سألنا: وإذن ما هو الفكر وما هو الشعور ومن أين ينبعثان، يتضح لنا أنهما نتاج الدماغ البشري، وأن الإنسان نفسه نتاج الطبيعة" [1] "إن الأفكار يبتدعها دماغ الإنسان. وهذا الدماغ ليس إلا"مادة" [2] دقيقة التركيب، وهو جزء من الجسم يعكس مؤثرات العالم الخارجي [3] ".
(1) كارل ماركس في كتاب"Anti- Diihring"طبعة سنة 1934 ص44، ترجمة الدكتور راشد البراوي.
(2) إذا كان العقل مادة، فإن الفكرة في ذاتها ليست مادة، لأنها لا تحدد بحدود الزمان والمكان.
(3) الأستاذ عبد الفتاح إبراهيم، دراسات في الاجتماع ص68.