الصفحة 79 من 162

ولكن هذا الارتقاء الذي حدث على آماد متطاولة في تاريخ البشرية، ونتيجة لتجارب لا حد لها، وقعت للأفراد منفردين ومجتمعين، وأثرت في نفوسهم وأفكارهم، وترسبت فيها على مدى الأجيال ... هذا الارتقاء لم يكن مفروضًا على البشر من خارج أنفسهم، وإنما كان استجابة لتلك النزعة القوية المتأصلة، التي تدفع الإنسان الالتقاء بأخيه الإنسان. وتجد راحتها في هذا اللقاء.

وربما كان لمعترض أن يقول: لو كان الأمر كذلك، وكان الفرد هو الذي كوّن المجتمع من رغبته الملحة في الاجتماع بغيره من الأناسي، لما وجدت فيه النزعة إلى الانتفاض على هذا المجتمع والخروج على أوامره ونواهيه ...

ولكن الواقع أن الإنسان مجموعة من المتناقضات. أو مجموعة من الرغبات المتضاربة التي لا يمكن تحقيقها كلها في آن واحد. وقد قلنا: إن الرغبة في الاجتماع قد أخضعت النوازع الفردية لسلطانها، وعملت على تهذيبها بالتدريج. ولكنها لم تنتزعها من نفس الفرد، ولم يكن من الممكن ولا من المصلحة استئصالها من منبتها. لأن قتل الفرد -لصالح المجتمع- لا يمكن أن يؤدي في النهاية إلا لضياع هذا المجتمع ذاته. إذ كيف يمكن أن تنشأ الحياة من مجموعة من الأموات؟!

فالنوازع الفردية إذن ما تزال موجودة، جنبًا إلى جنب مع الرغبة الجماعية الملحة. وإذاكان هذا تناقضًا، فهو موجود في النفس البشرية، كما يوجد فيها الحب والكره، والخوف والرجاء، والواقع والخيال [1] ...

وهذا الكائن البشري مخلوق متقلب؛ وكما يتقلب جسده من وضع إلى وضع ليستريح ويجدد نشاطه، فكذلك تتقلب نفسه ذهابًا وجيئة، على الدوام.

فهو ساعة يستجيب لنوازعه الفردية ويسير معها إلى آخر المدى، فيشعر أن وجود الآخرين يضايقه، ويتمنى كما كان يصنع في طفولة البشرية، لو أن له السيطرة المطلقة لا على الآخرين فحسب بل على قوى الطبيعة أيضًا.

وساعة يستجيب لنزعة الاجتماع، فيضيق بنفسه فردًا، ويخيل إليه أن نفسه الفردية تلك سجن تضيق جدرانه وتقترب حتى لتكاد تخنقه، فيسعى إلى التنفس في خارج نفسه، وقد يصل في هذا إلى أقصى المدى، فيذوب كيانه في كيان الآخرين ...

وهو في حالته السوية دائب التقلب من وضع إلى وضع. ولا ضير في ذلك ولا خطر. فتلك فطرته. وهو مستطيع -ما دام لا يسرف ولا يتطرف- أن يحقق بفطرته أقصى الخير لنفسه وللجميع.

ولكن الخطر ينشأ من الإسراف والتطرف، سواء في هذا الاتجاه أو ذاك.

ونبدأ بالحديث عن النزعة الفردية المتطرفة: فحين تفسد فطرة الفرد، ويحس بوجوده الذاتي إحساسًا مبالغًا فيه، يكون قد اعتدى على الآخرين اعتداء مؤكدًا، ليحقق لنفسه أكثر مما ينبغي له من المتعة الفردية الأنانية. وهو مع ذلك لا يعتزل المجتمع ولا يعيش وحده، ولا يتنازل عن العون الضخم الذي يستمده من وجوده في الجماعة، والتسهيلات الهائلة التي ييسرها له مجموع الأفراد. فكأنه في تبجحه يريد أن يستغل المجموع إلى أقصى درجة، ثم لا يؤدي نصيبه من التكاليف.

وهنا موضع للجدل الشديد بين دعاة الفردية، وبين النظرة المعتدلة المتوازنة.

فهم حينًا يزعمون أن المجتمع لن يضيره شيء في أن يستمتع الفرد بحريته فيما يسمونه شئونه الخاصة. وهم حينًا آخر ينكرون حق المجتمع في التحريج على الفرد في تلك الشئون، أو في"تحقيق ذاتيته"كما يقول الوجوديون وغيرهم من المنحلين، سواء كان في ذلك ضرر على المجتمع أو لم يكن، لأن الأصل هو الفرد، وهو الذي ينبغي أن يتحقق له وجوده الكامل، رضي الآخرون أم غضبوا!

(1) عالجت هذه النقطة بتوسع أكثر فيما بعد في فصل"خطوط متقابلة في النفس البشرية"في كل من كتاب"منهج التربية الإسلامية"وكتاب"دراسات في النفس الإنسانية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت