الصفحة 80 من 162

وفي كلا القولين مغالطة هائلة، تنهار أمام المنطق الصحيح.

فهنا نعود للسؤال الذي سألناه في مبدأ هذا الفصل: ما هو الفرد وما هو المجتمع؟ وما ذلك الخط الوهمي الذي يفصل بينهما، ويضعهما على صورة قوتين متقابلتين، أو معسكرين متصارعين؟

فلنفرض أننا نزلنا إلى الطريق فوضعنا أيدينا على واحد من المارين فيه: فمن هو ذلك الشخص؟ إنه فرد بالنسبة لنفسه، ينظر إلى الآخرين على أنهم"المجتمع". ولكن هذا الفرد ذاته ينظر إليه الآخرون على أنه هو"المجتمع"أو هو فرد من أفراده، يتكون المجتمع -بالنسبة إليهم- منه ومن الآخرين معه.

وهكذا لا يمكن الفصل أبدًا بين الفرد والمجتمع في حقيقة الأمر. فالمسألة كالدائرة لا تستطيع أن تمسك بنقطة معينة منها فتقول: من هنا تبدأ الدائرة، أو إلى هنا تنتهي. كل نقطة ككل نقطة، تصلح أن تكون مبدأ أو نهاية أو وسطًا بين نقطتين. ويظل الأمر هكذا ما دامت الدائرة قائمة. فإذا انكسرت لأي سبب من الأسباب، فعند ذلك فقط يصير لها مبدأ ونهاية، ولكنها تفقد اسم الدائرة وصفتها منذ ذلك الحين.

والمجتمع كذلك .. لا تستطيع أن تأخذ فردًا منه فتعزله، وتضعه في موضع المقابلة من الآخرين، ما دام المجتمع متماسكًا كالدائرة. لأن كل واحد من هؤلاء الآخرين ينظر إلى هذا الفرد نظرته هو إليهم. أما حينما يتحطم المجتمع ويفقد تماسكه، وتشيع فيه الفوضى، فعند ذلك كل شيء يجوز!

ولنخرج من حسابنا مؤقتًا أولئك المتميزين عن المجتمع في مجموعه، سواء كان تميزهم ارتفاعًا إلى أعلى، أو انحرافًا إلى أسفل. فأولئك شواذ. والشذوذ لا ينفي القاعدة كما يقولون. وسنعود إلى الحديث عنهم بعد أن نستوفي الكلام عن الشخص العادي، الذي يمثل الأغلبية العظمى من المجموع.

فإذا استبعدنا المتميزين، واستبقينا الأغلبية الساحقة المتقاربة بعضها من بعض في الصفات النفسية والعقلية .. فماذي يعني قول قائل منهم: إن المجتمع يظلمني، أو يحرج على حريتي الشخصية؟

لنفرض أن لي شهوة معينة، وأنا أرغب في تحقيقها، والذهاب فيها إلى آخر ما تسوّل لي نفسي من المتعة التي لا يبيحها"المجتمع": فعند ذلك أقول: إن المجتمع يقف في طريق تحقيق هذه الشهوة. وأزعم أنه يحد من حريتي، ويضع القيود في سبيل تحقيق كياني الذاتي. وقد أزيد على ذلك، فأمسك بكتاب من كتب فرويد، فأتأثر بنظرياته، أو إيحاءاتها المبالغ فيها، فأرفع عقيرتي محتجًا على المجتمع، قائلًا إنه يهدف إلى كبت نوازعي الفطرية، فتصيبني بذلك الاضطرابات العصبية والنفسية، وتتعطل طاقتي المذخورة .. الخ.

ولكني في الواقع أكون قد نسيت حقيقة مهمة. أو أدركتها ولكني أغالط نفسي وأغالط الآخرين. فأنا الذي أحتج على تحريج المجتمع عليّ في متعتي الخاصة، حين أرى فردًا آخر يريد أن يذهب إلى ما رغبت فيه لنفسي، فيستجيب لشهوته الملحة، ويذهب فيها إلى أقصى المدى .. أنا ذاتي أهب محتجًا عليه، وأقول له مكانك! لا تتجاوز الحد المفروض! وعند ذلك أصبح أنا"مجتمعًا"أو ممثلًا للمجتمع بالنسبة لهذا الشخص، كما كان هو أو غيره مجتمعًا أو ممثلًا للمجتمع بالنسبة إلي.

وهكذا ... فإذا كان الوقوف في سبيل حرية الفرد الزائدة عن الحدود جريمة في حق هذا الفرد، فكل شخص يرتكب هذه الجريمة في حق غيره، في ذات الوقت الذي يصرخ من ارتكابها في حقه! وبذلك لا يوجد شخص واحد مجنيّ عليه مائة في المائة. وإنما الجميع جناة ومجنيّ عليهم في آن واحد وبنسبة واحدة! (ومرة أخرى نستبعد الشواذ من هذا الحكم العام) .

فإذا قال فرد: ما للمجتمع ومالي حين أصنع كذا وكذا، فعليه أولًا أن يسأل نفسه: ماله هو وللآخرين حين يأتون نفس هذا الأعمال؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت