إنما تقوم هذه النظرة الفردية على نزعة أنانية غير مستقيمة. وحين يعطي كل فرد نفسه حق الخروج على"تقاليد"المجتمع، فلا مناص من أن تتعارض أهواء الأفراد وتتصارع، فيعتدي بعضهم على بعض، وتنشأ الفوضى التي قد يفيد منها البعض حينًا من الزمان، ولكنها بعد ذلك تعود بالضرر على الجميع.
وهنا كذلك يعترض المجادلون، ممن تأثروا بنظريات الغرب، واستهواهم بريقه الخاطف.
إنهم يقولون لك: لا تعارض ولا فوضى. والمسألة كلها نسبية. فنحن هنا في الشرق، ننظ إليها على أنها فوضى، لأننا مستعبدون لتقاليدنا البالية، التي لم تعد تصلح لهذا العصر. ولو تطورنا و"تقدمنا!"لقبلنا الأمر الواقع، وتغيرت نظرتنا إليه، فلم نستنكره ولم نعتبره"خروجًا"على الأخلاق والواجب. فليست الأخلاق قيمة ذاتية، وإنما هي انعكاس المجتمع. فإذا قال المجتمع كله أو أغلبه: هذا خير فهو خير. أو شر فهو شر. لا لأن شيئًا في ذاته يمكن أن يكون خيرًا أو شرًا. وإنما نظرة الناس إليه تعطيه هذه الصفة أو تلك.
وهذا كلام له بريق .. ولكن لنر من واقع الأمر إلى أي حد هو صحيح.
يقولون إننا نحن المتأخرين في الشرق، ننظر مثلًا إلى الحرية الجنسية على أنها شناعة لا يجوز أن تحدث، ونظل ننذر بالويل والثبور كل فرد أو مجتمع يندفع إليها، لأننا نحن هكذا متأخرون، لا لأن هذه حقيقة. ويقولون إنه حين يأتي الوقت الذي تتغير فيه نظرتنا إلى الأمور، فلن نعتبر هذه الحرية"اعتداء"على أحد ولا على شيء لأنها ستتم بالتراضي بين الطرفين، فلا يكون هناك معتد ومعتدى عليها كما نرى نحن. ولن يعترض الآباء على نزوات بناتهم وأبنائهم، لأن منشأ الاعتراض هو أن المجتمع لا يسمح. فما دام قد صار يسمح، فلن يخشى الأب أن يعيّر بعار ابنته، لأنه ليس هنا عار في نظر أحد ... وهكذا تهدأ الضمائر وتستقر الأعصاب، ويسير كل شيء سيره الطبيعي الهادئ الرتيب.
ويقولون: انظروا هذا هو الغرب قد صنع ذلك فتقدم وارتقى، وتحرر من خرافات الماضي، ومن خزعبلات الأخلاق.
ونترك الآن مناقشة هذا الرقي المزعوم، ومدى ما فيه من الخطر على كيان الإنسانية كلها في الشرق والغرب، لأن هذا قد يحتاج إلى قدر من الجدل مع المكابرين وهم كثير.
ولكن الذي لا يمكن الجدال فيه هو الوقائع التي تنشرها الكتب والصحف في ذلك الغرب الذي يستعبد الأرواح والقلوب ...
تقول صحف أمريكا -أرحب بلاد العالم صدرًا بالحرية الجنسية- إن هناك مشكلة اجتماعية خطيرة، يتزايد خطرها كل يوم، حتى أصبحت تقلق بال المسئولين، فيفزعون إلى المختصين من علماء الاجتماع، يسألونهم العون في هذه المشكلة التي تنذر بالويل والثبور!
تلك هي مشكلة الاختطاف! فكل يوم تأتي الأخبار المزعجة بأن بعض الفتيان قد اختطفوا فتيات في سياراتهم، فقضوا منهن وطرهم. وتركوهن بعيدًا عن منازلهن بمسافات شاسعة، لا يتيسر لهن الرجوع منها إلى بعد أمد طويل!
ويتبادر إلى الذهن هذا السؤال: فيم الاختطاف، والحرية مباحة للجميع، إباحة كاملة لا قيد فيها ولا حدود؟
والسؤال على عجبه مردود ببساطة. فلا مناص، حين تطلق الحرية للجميع يصنعون ما يشاءون، أن تتعارض الأهواء، وتصطدم الرغبات. فيحدث أن يعشق فتى فتاة لا تحبه، وإنما تميل بمشاعرها إلى غيره. وما دامت النوازع والشهوات قد أطلقت من عقالها، ولم يضبطها ضابط خوفًا من تقييد الحرية، فإن هذا العاشق المتهوس لن يضبط عواطفه -أستغفر الله- بل شهوته إلى تلك الفتاة بعينها، فلا يجد سبيلًا إلا استدراجها واختطافها!
وهكذا يحدث هذا الأمر الشنيع، في البلد الذي أباح كل شيء للجميع، بل يحدث نتيجة لهذا الإباحة التي لا تقف عند حد ..