الصفحة 82 من 162

هذا خطر تعترف به أمريكا وتنذر به الصحف، وتطلب تدخل المسئولين. وإن تزايده يومًا بعد يوم لينذر بأنه مقدمة لما هو أخطر منه في الحياة الاجتماعية والأمريكية. أي أنه العوارض الأولى للانحلال الذي أشرنا إليه من قبل، والذي ينكره المستعبدون هنا، لأنهم ملكيون أكثر من الملك كما يقال!

وقد ينظر إليها بعض قصار النظر هنا أو هناك على أنها حوادث فردية. ولكن دلالتها واضحة لكل من أوتي حظًا من التقدير السليم. فهي اليوم تبدأ بالمسألة الجنسية، وغدًا تشمل ميادين أخرى غيرها، كما أثبتت حوادث التاريخ في كل شعب على ظهر الأرض [1] .

ولنعد إلى فرنسا، فهي أقرب الأمثلة إلى أذهان الجيل الذي نعيش فيه. بدأت فيها المسألة بالحرية الجنسية أو الفوضى الجنسية. ثم أصبحت لهذه الفوضى تقاليد! ولا عجب فللصوص وقطاع الطرق في مصر تقاليد!

من بين هذه التقاليد الرائعة أن يتعانق العشيقان أو يتشابكا، أو يحدث منهما ما يحدث في الطرق والحدائق والسيارات العامة، فلا ينهرهما أحد ولا يستنكر حيوانيتهما تلك أحد، وإنما تنصب اللعنة والاستنكار الحار على من تسوّل له نفسه أن يعترض على ذلك، أو ينظر إليه باشمئزاز!!

ومضت فرنسا في طريقها قدمًا، ولذت تلك المتع لأهلها شبانًا وشيبًا، فلم يعد للأسرة تقاليد ترعى، ولم يعد الزوج أو الزوجة يطالبان نفسيهما بالإخلاص بعضهما لبعض أو للأخلاق والتقاليد. وصارت الفتاة لا تحاسب نفسها ولا يحاسبها أحد حين تسقط، ولا الفتى يستنكف أن يقضي وقته غارقًا في الملذات.

ونظر أناس مبهورين، وصاحوا: هذه هي المدنية! أنّى لنا أن نرتقي ونصل إلى هذا المستوى الرفيع!

ومرد الشعب على المتاع الدنس في المراقص والبارات ... وأحس كل امرئ أن من حقه أن يصنع ذلك دون أن يلومه أحد، أو يتدخل في"حريته الشخصية"!

وانتقلت عدوى الحرية في داخل نفوس الأفراد، من إحساس إلى إحساس. وتلك عملية نفسية معروفة، وفيها يكمن الخطر كله. فمالشاعر المتميزة من الظاهر ليست مستقلة في باطن النفس، ولا ينفصل بعضها عن بعض كما تبدو حين تظهر على السطح، بل هي وثيقة الصلة كأنها الأواني المستطرقة. فإذا تعمقنا أكثر، وجدناها في آخر الأمر كأنها تنبع من منبع واحد كبير. وسواء كان هذا المنبع جنسيًا بحتًا، كما يفسره فرويد، أو كان طاقة حيوية شاملة كما تفضل أن نعتقد، فالنتيجة واحدة: وهي أن المشاعر يعدي بعضها بعضًا في داخل النفس، فنجد المنحلّ في الغالب ينحل في جميع نواحي حياته. والحالات القليلة التي ينحصر الانحلال فيها في رقعة معينة من النفس ولا يفسد بقية جوانبها، هي من القلة والندرة بحيث لا تغير القانون العام، ثم إنها تكون في الغالب مرحلة وسيطة في المنزلق الذي يؤدي إلى الانحلال التام.

(1) حين كتبت هذا أول مرة لم تكن قد ظهرت بعد في المجتمع الأمريكي مظاهر الانحلال التي تكاثرت فيما بعد حتى ضج منها المجتمع الأمريكي ذاته، ومن بينها جرائم الهبييز الشهيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت