الصفحة 83 من 162

وذلك تفسير ما حدث في فرنسا. فقد انتقل حب الاستمتاع بالحرية المطلقة من دائرة الجنس إلى دائرة أخرى ظلت تتسع بالتدريج حتى شملت كل نواحي النشاط للأفراد والجماعات. فانتقلت -كما لا بد أن يحدث- إلى السياسة والاقتصاد، وكل ما يتصل بالمجتمع والحكومة والدولة. وكرهت أنانية الأفراد -وهي نتاج الاستمتاع الزائد عن الحد- أن يجندوا أنفسهم للدولة، لأن الدولة بدت لهم معسكر آخر، منفصلًا عنهم، لا ينبغي له أن يتدخل في شئونهم أو يفرض عليهم قيدًا من القيود. وأدى ذلك كله إلى قلة الإنتاج وضعف الجيش وانتشار الدسائس والاضطرابات. فلما دخلت فرنسا الحرب كانت على غير أهبة، لا لنقص أسلحتها فحسب، بل لنقص عنصر آخر أهم وأخطر من كل ما عداه، ذلك هو"الروح المعنوية"...

أمة لا تريد أن تحارب، ولا تريد أن تحمي نفسها من الغزو، لأنها تكره التكاليف النفسية للجهاد. تكره أن تترك متعتها الدنسة، وملذاتها الرخيصة. أمة لا يجمعها هدف مشترك لأنها أفراد:"تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى". أمة تهتم بعمائر باريس الرشيقة الأنيقة، ومراقصها الفاخرة المثيرة، أكثر مما تهتم بكرامتها وكيانها في المعترك الدولي.

وكان حقًا وعدلًا أن تنهزم فرنسا، وتخلي مكانتها التاريخية، حتى بعد أن أنجدها الحلفاء، وحاولوا أن يرفعوها على أرجلها المتراخية المتهاوية، لتستطيع أن تتلقى ضربة أخرى قبل أن تموت!!

ولست أجهل أن هذا التفسير"الخلقي"لكارثة فرنسا لا يعجب الشيوعيين وأضرابهم من هواة التفسير المادي أو الاقتصادي للتاريخ، كما أنه يعز على عشاق فرنسا أن يصدقوه أو يقروا به.

ولكنني أحيل هؤلاء وأولئك إلى خطبة ييتان الشهيرة، التي ألهب بها ضمائر الفرنسيين، إن كان قد بقي لهم ضمائر، وأرجع الكارثة كلها إلى انحلال أخلاقهم، وإغراقهم في شهواتهم المنحطة. وهذا رجل فرنسي، لا يمكن أن يتهم بالتشنيع على أهل بلده، وهو يرجو لهم الخير والإصلاح [1] .

وهكذا نرى أنه أنه ليست هناك إلا نتيجة حتمية واحدة لخروج الأفراد على تقاليد المجتمع دون رادع، وتنازل المجتمع عن تقاليده، وترك العابثين بها يعبثون. تلك النتيجة الحتمية هي انهيار هذا المجتمع بكارثة تصيبيه من الداخل أو الخارج، وتؤدي في النهاية إلى حرمان أولئك الأفراد أنفسهم مما كانوا غارقين فيه من المتاع المباح.

فقصر النظر وحده، هو الذي يخيل للعابثين من الأفراد أنهم مستطيعون أن يظلوا في عبثهم ذلك إلى غير نهاية، دون أن يؤدي بهم إلى الكارثة، أو الفتنة التي لا تقتصر على الظالمين.

وهذه التقاليد التي تعبت الإنسانية في بنائها لم تكن عبثًا، ولا كانت لمجرد"الزينة"! بل إن لها لمهمة حيوية تؤديها لصيانة المجتمع؛ مما يؤدي في نهاية الشوط إلى خير الأفراد أجمعين. الخير السلبي على الأقل، بحمايتهم من الضرر الذي لا يمكن تفاديه على ممر الأجيال.

على أن هذا لا يعني أن المجتمع دائمًا على صواب فيما يحرص عليه من تقاليد. ولا ينفي أن بعض أفراده الخارجين عليه يكونون أحيانًا على صواب.

ذلك أن المجتمعات كالأفراد: عرضة للأمراض والانحرافات. ولكن أمراضها دائمًا أخطر من أمراض الفرد، لأنها تطبع بطابعها المنحرف مزاج الأجيال الناشئة قبل أن يتاح لها أن تبصر الأمور على حقيقتها، وترتد إلى سواء السبيل.

وأشد ما يصيب المجتمعات أمران ينشآن بطريقة طبيعية، من عملية نفسية معروفة تحدث في نفس الفرد بمفرده، وتؤثر حتمًا في نفوس مجموع الأفراد.

(1) قد يبدو اليوم أن فرنسا قد استعادت كيانها ومكانتها بعد أن حاول ديجول أن يقيمها من وهدتها. ولكنها صحوة عابرة قبل أن تنهار الحضارة الغربية كلها .. ما لم تعد إلى الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت