الصفحة 84 من 162

الأمر الأول هو انقلاب الوسيلة إلى أن تصبح هي في ذاتها غاية، بعد نسيان الغاية الأصيلة.

يحدث هذا في نفس الفرد حين ينسى أنه يأكل ليعيش، فينتهي إلى أن يعيش ليأكل! وحين ينسى أن بقاء النوع هو الهدف من الطاقة الجنسية، فيجعل لذائذه الجنسية غاية تطلب لذاتها بغير نظر إلى الهدف! وحين ينسى أن هدف المال هو الإنفاق، فينقلب جمع المال شهوة مستقلة عن الغرض المرسوم لها في الحياة. وحين يلعب الورق أو النرد"لقتل الوقت"في بادئ الأمر، فينقلب اللعب هدفًا يستولي على اهتمامه، ويطلبه لذاته ولو لم يكن لديه وقت يقتل، بل ولو شغله ذلك عن أمور معاشه.

وتلك عملية تحدث تلقائيًا إذا غفل الإنسان عن معنى وجوده وهدف الحياة التي يحياها على الأرض، ولا يحمي الفرد منها إلا أن يذكّر على الدوام، ويهذّب على الدوام.

ومثلما يحدث في نفس الفرد، يحدث في نفوس الجماعات، فتنسى أهداف التقاليد وتحسبها غاية في ذاتها تحافظ عليها محافظة التقديس، بغير هدى ولا بصيرة. ويجرها ذلك في النهاية إلى النفاق الاجتماعي، حين ينصرف الناس عن الغاية الحقيقية ويخالفونها في حياتهم الخاصة، في الوقت الذي يحافظون فيه على المظاهر الجوفاء.

والمجتمعات كذلك تصاب بالجمود. وهو ينشأ من عملية أخرى طبيعية في نفس الفرد هي التعود. والعادة تؤدي مهمة هائلة في نفس الفرد، وهي جزء أساسي من كيانه. ولولا وجودها، وقيامها بكثير من الأشياء بطريقة لا شعورية، أو على الأقل شبه شعورية، لما أمكن أن يوجد الفرد نشاطه الواعي إلى ميادين جديدة من التفكير والاستنباط والاختراع، ولبقي حياته كلها يتمرن مثلًا على المشي والكلام والطعام والشراب!

ولكن على قدر الفائدة التي يجنيها الفرد عن طريق العادة، يصيبه الضرر كذلك حين يتعود على أشياء ضارة فيصعب عليه تغييرها.

والمجتمع في ذلك كالفرد، فهو عن طريق العادة يوفر جزءًا كبيرًا من نشاطه، حين يجعل التقاليد عادة مرعية تتم بطريقة لا شعورية، أو شبه شعورية، ويوجه هذا النشاط لميادين جديدة من العمل والارتقاء. ولكنه في الوقت ذاته يضار أكبر الضرر عن طريق تثبيت العادات الضارة والجمود عليها، فيفقد بذلك من الطاقة ما كان يمكن أن يتوجه به إلى الخير العام، ولا ينقذه من ذلك إلا حركة عنيفة مزلزلة.

وهنا يأتي دور الفرد الممتاز، فينفض عن المجتمع جموده، ويرده إلى الإيمان الحق بالغايات الأصيلة. وقد أرجأنا الحديث عنه حتى يجيء مكانه الصحيح.

الفرد الممتاز عضو من المجتمع دون شك، متأثر بتياراته، متفاعل معها، ولكنه ممتاز عنه في طريقة تكوينه. ففي بنيته قدر من الطاقة الحيوية أكبر من المعتاد. وهو أقدر على تفهم تلك التيارات المتفاعلة في المجتمع، وأقدر على سلخ نفسه منها والنظر إليها كأنما ينظر من خارجها، فيراها بعين النقد والتمحيص. وتلك درجة من الامتياز. ولكنها ليست كل درجاته. فهناك مرحلة أخرى هي إنكار ما يراه من خطأ في سير المجتمع، وإعلان هذا الإنكار. أي عدم الاكتفاء بالمعرفة السلبية.

ومرحلة أخرى: هي الدعوة إلى إصلاح هذا الفساد، والعمل على هذا الإصلاح.

ولكن الدرجة القصوى هي القيادة هي التصدي للإصلاح بإيمان كامل يستولي على نفس صاحبه، فيصبح شغلها الشاغل لا تملك أن تتخلى عنه ... يصاحب هذا الإيمان مقدرة على العمل في سبيله، وفطنة لأفضل السبل لتحقيق الغاية ... ثم قوة أخرى كأنها السحر، هي موهبة التأثير في الآخرين، تأثيرًا يشبه العدوى، يسري في نفوس الناس خفية، فلا يبصر أحدهم إلا وهو متأثر منساق إلى العمل كأنما يطيع هاتفًا يهتف به من داخل نفسه.

وتلك أقصى درجات العظمة الفردية دون جدال ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت