الصفحة 85 من 162

ولكن ينبغي ألا نغفل أن المجتمع لا يستجيب بسهولة إلى هؤلاء. وتلك عقبة كئود طالما شكا منها المصلحون جميعًا وعلى رأسهم الأنبياء ..

إن المجتمع ليعصي داعي الخير الذي يتقدم به الأنبياء والمصلحون، ويظل يقاوم ما وسعته المقاومة، حتى تنهار مقاومته بالتدريج. ولكنه عند ذلك يندفع في التيار الجديد اندفاعًا حماسيًا حارًا، كأنه يكفر عن سابق خطيئته.

وشكوى الأنبياء والمصلحين على حق، خاصة وهم على يقين من أنهم يدعون إلى الخير، وأن الناس على الباطل.

ولكن هذه المقاومة ليست شرًا خالصًا في كل حال! فلولا المقاومة العنيدة لكل دعوة جديدة، لأصبح الأمر فوضى، ولكن كل مأفون تقوم في رأسه فكرة يتمكن من الوصول بها إلى أقصى الغاية في وقت قصير ... وفي ذلك من الخطر ما فيه ..

بل إن مقاومة الفكرة -فيما عدا الرسالات السماوية بطبيعة الحال- ليفيدها هي ذاتها إذ ينضجها ويبصِّرها بما قد يكون خافيًا عليها عند البدء. فقد تدفع الحماسة بصاحب الفكرة أن يجعل فيها من الخيال أكثر مما يطيقه الواقع، فتعدل المقاومة طريقته وتردها إلى الحقائق. أو قد تكون الفكرة بأكملها سابقة لأوانها الذي تستطيع أن تؤتي ثمارها فيه فتقتلها المقاومة مؤقتًا، حتى تتهيأ لها الظروف ...

أو قد تكون الفكرة صالحة ولكن القائم بها غير صالح، أو غير كفء لها، فتظهره المقاومة على حقيقته، وتقف به عند حده الذي تهيئه له طبيعته. ولو لم يحدث ذلك لكان الضرر محققًا في قيام شخص ضئيل الطاقة بدعوة لا يطيقها كيانه، فيفسد ما فيها من خير لا محالة ... ولو على غير قصد منه.

وهكذا تكون المقاومة أداة للتمحيص، ثم يستقر الخير في آخر المطاف:"فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ".

كنا إلى هذه اللحظة نتحدث عن الشذوذ الذي يصيب الأفراد حين يبالغون في الإحساس بفرديتهم، والانحرافات التي تصيب المجتمع نتيجة لتهاونه في ردهم إلى صوابهم. واستطردنا من ذلك إلى وصف بعض العوامل التي تتفاعل في بنية المجتمع والأفراد.

والآن ننتقل إلى الطرف الآخر، حين يخضع الإنسان أو يراد له أن يخضع لنزعته الجماعية إلى آخر المدى، وعلى حساب كيانه الفردي.

في المرة السابقة كان الاعتداء موجهًا من الفرد؛ وقد رأينا كيف أصاب الضرر المجتمع أولًا، ثم ارتد في آخر الأمر إلى الفرد. وسواء أن يكون هو الفرد نفسه، أو يكون نسله في الأجيال التالية له، فالإنسانية لا تنقطع عند جيل معين، وإنها للأنانية الكريهة التي تقول: نفسي أولًا، وليكن بعد ذلك ما يكون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت