الصفحة 76 من 162

وحادثة ماعز قد تفتح المجال لمن يريد أن يقول -على مذهب فرويد- إنها حالة هوس ديني. وقد كان شيء من هذا في خاطر الرسول صلى الله عليه وسلم حين سأل: أبه جنون؟ ولكن ظروف الحادث كلها تشير إلى أن الرجل والمرأة كليهما كانا في حالة سوية. وهناك فرق بين الشعور بالإثم الذي يقول فرويد إنه يكون كامنًا في اللاشعور، وإنه يدفع الناس إلى طلب توقيع العقوبة عليهم على جرائم لم يرتكبوها، أو إلى تعذيب النفس تكفيرًا عن هذا الإثم الخفيّ، وبين هذا الشعور الواعي بجريمة محددة. ومما يلاحظ كذلك أنهما لم يقتلا نفسيهما، ولم يعرضا أنفسهما لمخاطر قد تقضي عليهما، لإراحة ضميرهما القلق. وإنما تقدما إلى رسول الله ليطهرهما طمعًا في رضاء الله ومغفرته. وهي قمة من التطوع النبيل لا يقدم عليها أحد إلا وقد بلغ الغاية من نظافة الضمير.

وإذا كانت أمثلة هذه البطولات النفسية قد تواترت في صدر الإسلام، فإنها لم تنقطع بعد ذلك على مر العصور. وهذا صلاح الدين يصل في معاملته لأسرى الصليبيين، أعدائه في الدين وفي الحرب، إلى درجة جعلت أولئك الصليبيين أنفسهم يكتبون عنه القصص المبدعة، ويصوغون حوله الأساطير!

وقد كان الصليبيون يعاملون المسلمين بوحشية لا مثيل لها. وكانوا يهجمون عليهم في يبوت الله، فيحولونها بركًا من الدماء. وكان المسلمون في حل من أن ينكلوا بهم، وإطاعة لأمر السماء:"وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِيْ الأَلْبَابِ""فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ". ولكن صلاح الدين"يتطوع"فيمرّض أسيرًا وقع بين يديه، ويسهر عليه حتى يتماثل للشفاء!!

وما زال المسلمون حيثما آمنوا بالإسلام، وتشربته أرواحهم، يضربون تلك المثل النادرة في التاريخ. يقول السيد أبو الجسن الندوي (من علماء الهند) في كتابه:"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"صفحة 215:"إن الشيخ رضي الله البدواني اتهم بالثورة على الإنجليز عام 1857م. وحوكم أمام حاكم إنجليزي كان من تلاميذه، فأوعز إليه الحاكم على لسان بعض الأصدقاء أن يجحد الاتهام فيطلقه. ولكن الشيخ أبى، وقال: قد اشتركت في الخروج على الإنجليز فكيف أجحد؟ واضطر الحاكم فحكم عليه بالإعدام، ولما قُدِّم للشنق بكى الحاكم وقال له: حتى في هذه الساعة لو قلت إن القضية مكذوبة عليّ، وإني بريء، لاجتهدت في تخليصك. فغضب الأستاذ وقال: أتريد أن أحبط عملي بالكذب على نفسي؟! لقد خسرت إذن وضل عملي. قد اشتركت في الثورة فافعلوا ما بدا لكم. وشنق الرجل".

وبعد فهذه الأمثلة، وأشبهها في تاريخ الإسلام كثير، لا تحتاج إلى تعليق. فهي تشهد كلها بعظمة هذا النظام الذي يعامل النفس الإنسانية على أسسها الصحيحة، فتستجيب إليه بأقصى طاقتها، وتصل في ارتفاعها إلى ما يشبه المعجزات!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت