ولم يكن الخلفاء ولا أبطال الحرب وحدهم هم الذين يبلغون تلك القمم العالية من النظافة النفسية المتطوعة بعمل الخير. فهذا رجل من عامة المسلمين: يونس بن عبيد"كان عنده حلل مختلفة الأثمان. ضرب قيمة كل حلة منه أربعمائة، وضرب كل حلة قيمتها مائتان. فمر إلى الصلاة، وخلف ابن أخيه في الدكان. فجاء أعربي وطلب حلة بأربعمائة، فعرض عليه من حلل المائتين. فاستحسنها ورضيها واشتراها، فمضى بها وهي على يديه، فاستقبله يونس، فعرف حلته. فقال للأعرابي: بكم اشتريت؟ فقال: بأربعمائة. فقال: لا تساوي أكثر من مائتين، فارجع حتى تردها! فقال: هذه تساوي في بلدنا خمسمائة، وأنا ارتضيتها. فقال يونس: انصرف، فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها. ثم رده إلى الدكان، ورد عليه مائتي درهم. وخاصم ابن أخيه في ذلك، وقال له: أما استحييت؟ أما اتقيت الله؟! تربح مثل الثمن، وتترك النصح للمسلمين؟ فقال: والله ما أخذها إلا وهو راض بها! قال: فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك؟" [1] .
وعن بريدة قال:"جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله طهرني. فقال: ويحك! ارجع فاستغفر الله وتب إليه. قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال يا رسول الله طهرني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. حتى إذا كانت الرابعة قال رسول الله: مم أطهرك؟ قال: من الزنا! فسأل رسول الله: أبه جنون؟ فأُخبر أنه ليس بمجنون. قال: أشَرِب خمرًا؟ فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريح خمر. فقال: أزنيت؟ قال: نعم! فأَمر به فرجم. فلبثوا يومين أو ثلاثة ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: استغفروا لماعز بن مالك: لقد تاب من توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم. ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله طهرني. فقال: ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه. فقالت: تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك؟ إنها حبلى من الزنا! فقال: أنت؟؟ قالت: نعم! قال لها: حتى تضعي ما في بطنك. قال فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد وضعت الغامدية. فقال إذن لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من ترضعه. فقام رجل من الأنصار فقال: إليّ رضاعه يا نبي الله. قال فرجمها. ويروى أنه قال لها: اذهبي حتى تلدي. فلما ولدت قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه. فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خيز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام. فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين. ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضح الدم على وجه خالد؛ فسبها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له. ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت".
(1) عن كتاب"الرسالة الخالدة"للأستاذ عبد الرحمن عزام.