الصفحة 74 من 162

ولكن عمر ليس وحده الجدير بالإشادة في هذا المقام، على الرغم من عظمة هذه البطولة النفسية، التي تقف فذة في التاريخ، من حيث هي تطوع نبيل لم يفرضه إلا يقظة الضمير. فزوجته كذلك جديرة بتسجيل موقفها النفسي المترفع. فلم يكن ثمة ما يمنعها -وقد فضلت عمر في حياته على كل ما تملك- أن تسترد أموالها وأملاكها بعد أن مات عمر. وقد وفر عليها أخوها الحرج، حين عرض عليها ذلك، ولم يجعلها تطلبه بنفسها. ولكنها ترفعت عن ذلك لغير قوة قاهرة تدفعها إلى التنازل عن رغبة أصيلة في نفس كل امرأة: رغبة الاستمتاع بالحليّ وألوان الترف .. وإنما هو في أعماق أعماقها هاتف شعوري متطوع نبيل.

وهذا خالد بن الوليد، قائد الإسلام المظفر الذي لم ينهزم قط، يعزله عمر بن الخطاب وهو في معمان المعركة. فلا يضطغن، ولا يحقد ولا يترك المعركة انتقامًا"لشرفه العسكري"ولا ينتقض على الخليفة، وهو يرى -بينه وبين نفسه- أنه لم يرتكب ما يوجب العزل!

ولقد كان خالد حريًّا -على الأقل- أن يسلم القيادة للقائد الجديد، وينسحب إلى بيته. ولكنه يرى نفسه في موقف لو انسحب فربما أطلت الهزيمة على جيش المسلمين. فلا يُعلم أحدًا بالخبر، ويمضي في قتاله المستبسل حتى يمن الله بالنصر! النصر لا لنفسه ولكن للمسلمين، وللإسلام الذي يملأ قلبه الإيمان به! وعند ذلك فقط يعلن القائد الجديد بالأمر، ويسلمه القيادة!

وهنا كذلك -وقد اطمأن على مصير المعركة- كان يستطيع أن ينسحب، وقد أراح ضميره المرهف الحساس. ولكنه يأبى ذلك أيضًا، ويستمر في القتال جنديًا كعامة الجند!

فيم يطمع خالد بالاستمرار في القتال، وفقد فقد القيادة والسيطرة والأمر والنهي؟ إنه الجهاد في سبيل الله، وفي سبيل المثل العليا، التي تعمر قلب هذا البطل العجيب.

وأية بطولة؟! إن كل بطولات خالد الحربية لا تعد شيئًا بجانب هذه البطولة النفسية الخالدة، التي كشف عنها هذا الموقف الفريد!

وأبو محجن الثقفي، أحد أبطال المسلمين في فتح فارس، رجل كان صاحب خمر في الجاهلية، وظل يتغنى بها حتى بعد أن جاء الإسلام، فحبسه سعد بن أبي وقاص في داره، ووضع القيد في رجليه ليستتيبه مما قال.

ويخرج سعد لقتال الفرس، وأبو محجن عنده حبيس في داره، ثم يمرض القائد فلا يستطيع ركوب فرسه، وتملؤه الحسرة أن يعجز عن الخروج بنفسه إلى المعركة والقتال مستعر. وأبو محجن يسمع ذلك ويرى، وهو حبيس، فلا يطيق أن يقعد عن نصرة دين الله ورسوله، فيرجو سعدًا أن يطلقه ليقاتل فلا يفعل. ويلح في الرجاء ولكن سعدًا لا يستجيب. ولكن أبا محجن لا ييأس. إنه يحاول لدى امرأة سعد! ويستعطفها أن تفك قيده ليخرج إلى القتال. ويعدها -إن هو لم يستشهد في المعركة- أن يعود إليها ويضع بنفسه القيد في رجليه! ورقّ قلبها له فأطلقته! فأخذ فرس سعد وانطلق بها إلى القتال. وهجم على العدو هجمة صادقة، فرجحت كفة المسلمين. حتى إذا أقبل المساء عاد! عاد البطل المنتصر إلى دار سعد، فربط الفرس، ثم وضع القيد في رجليه كما وعد من قبل!

وظل على ذلك ثلاثة أيام حتى كتب الله النصر المؤزر للمسلمين. وسعد يطل على ميدان المعركة من نافذته ويقول لامرأته: رأيت فارسًا على البلقاء يضرب كأحسن ما يكون الضرب، ولولا محبس أبي محجن لقلت هذا أبو محجن! فتقص له امرأته قصته، فيناديه إليه ويقول:"اذهب! فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله!".

فيرد أبو محجن قائلًا:"لا جرم والله لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدًا!".

ولقد كان أبو محجن في حل من القتال وهو حبيس. وكان مستطيعًا -وقد حارب وانتصر- أن يتحلل من وعده ومن محبسه. ولكنها بطولة نفسية خارقة، أيقظتها العقيدة في هذا الضمير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت