وعثمان يرى المسلمين وقد انقطعت مواردهم في أيام أبي بكر، ووقعوا في ضائفة اقتصادية شديدة، ثم تجيئه العير محملة ببضائع كان استوردها من الشام، فيسرع إليه التجار في المدينة، يريدون -كعادة التجار- أن يستغلوا ساعة العسرة، ليربحوا على حساب المستهلكين. فيتقدمون إليه بعرض سخي أن يربحوه في الدرهم درهمين. فيردهم عثمان قائلًا: أُعطيت أكثر من ذلك! فيعرضون ثلاثة. فيقول: أعطيت أكثر من ذلك. فيعرضون أربعة دراهم ثم خمسة وهو يردهم كل مرة. فقالوا: يا أبا حفص! ما سبقنا إليك أحد. ونحن كل تجار المدينة! فيقول: إن الله أعطاني عشرة أمثالها! ثم يقسم ليتركنها خالصة للمسلمين، يرد بها عنهم غائلة الحاجة!
ماذا كان عليه -حتى وهو يريد البر بالمسلمين- أن يأخذ على الأقل ثمن بضاعته بدون ربح؟ ويكون -في ذلك- نبيلًا مشكور النبل!
ولكنه مثل يفرضه لنفسه، ويتطوع لتحقيقه، لم يفرضه عليه دين ولا مجتمع ولا قوة واحدة قاهرة!
وعلي بن أبي طالب يمكّنه الله من أحدا أعدائه وأعداء الإسلام في إحدى المواقع، حتى ليجلس على صدره، ويأخذ بسيفه. ثم ينهض عنه، ويتركه طليقًا! ويعجب رجل من المسلمين كان يشاهد الحادث، ويسأله: لم تركت عدو الله، وقد أمكنك الله منه؟ فيقول: حينما هممت أن أحتز رأسه بصق في وجهي. فخشيت إن أنا فعلت أن أكون قد قتلته غضبًا لنفسي لا لله.
ما الذي كان يفرض على عليّ يا ترى هذا التصرف النبيل، الذي يقرب من الأساطير؟ إن هذا العدو الذي أطلقه كان حريًا أن يعود فيقتله. وعليّ يعلم ذلك دون شك. ولكنها"النظافة"الكاملة داخل الضمير، لا تطيق ظلًا من الشك، في تصرف تبيحه -بل تدعو إليه- كل شرائع السماء والأرض!
و"لما أزمع (عمر بن عبد العزيز) أن يرد ما لديه، أمر فنودي بالناس: الصلاة جامعة، وصعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن هؤلاء القوم قد كانوا أعطونا عطايا ما كان ينبغي لنا أن نأخذها، وما كان ينبغي لهم أن يعطوناها. وإن ذلك قد صار إليّ، ليس عليّ فيه دون الله محاسب، ألا وإني قد رددتها، وبدأت بنفسي وأهل بيتي. اقرأ يا مزاحم -وقد جيء ذلك بسفط فيه تلك الكتب- فجعل مزاحم يقرأ كتابًا كتابًا فيأخذه عمر، وبيده مقص فيقصه به، حتى لم يبق فيه شيء إلا شقه."
"ثم ثنى بزوجته فاطمة بنت عبد الملك بن مروان، وكان عندها جوهر أمر لها به أبوها لم ير مثله، فقال لها: اختاري إما أن تردي حليلك إلى بيت المال، وإما أن تأذني لي في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وهو في بيت واحد. فقالت: لا، بل أختارك يا أمير المؤمنين عليه وعلى أضعافه لو كان لي. فأمر به فحمل حتى وضع في بيت مال المسمين. فلما مات عمر واستخلف يزيد بن عبد الملك، قال لأخته فاطمة: إن شئت رددته عليك. قالت: فإني لا أشاؤه. طبت عنه نفسًا في حياة عم وأرجع فيه بعد موته؟! لا والله أبدا [1] !".
وهكذا يتنازل عمر عن كل ما يملك بمثل هذه السهولة. بل بمثل هذا الترفع أن يمس درهمًا لا يرى لنفسه حقًا فيه، مع أن الإجراءات القانونية كلها تبيح له تملكه، والمجتمع الذي يعيش فيه لا يطالبه، بل لا يفكر في أن يطالبه بالتنازل عن شيء ...
(1) عن كتاب"عمر بن عبد العزيز"للأستاذ أحمد زكي صفوت.