ولسنا هنا في حاجة إلى استعراض البطولات الحربية والإدارية والسياسية -وهي كثير- وكل منها مثل فذ في تاريخ البشرية. ولكنا نجتزئ بما نسميه البطولات النفسية، فهي أنسب شيء في بحث عن النفس الإنسانية في نظر الإسلام. البطولات التي تظهر في المشاعر، فتنظفها إلى درجة تقرب من الخيال. وقد اخترناها لنرد بها على فرويد وغيره، ممن لا يطيقون أن يتصوروا في البشرية شعورًا واحدًا لم يصدر عن جبرية أو مصلحة شخصية. فتلك أمثلة قائمة كلها على التطوع البحت. التطوع بما لم يطلبه منهم أحد على سبيل الجبر والإلزام: لا الدين ولا المجتمع ولا القانون ... وإنما هم فرضوه على أنفسهم متطوعين، لا مصلحة لهم في ذلك من قريب ولا بعيد.
وما نزعم أن الإسلام ينفرد وحده بتلك البطولات. فلا شك أن الإنسانية -في غير الإسلام- تعرف أمثالًا لها. وهذا يؤدي نظرتنا على أي حال، في أن الإنسانية في مجموعها قادرة على الخير الذي لا تدفع إليه ضرورة من ضرورات فرويد!
وإنما مزية الإسلام التي تفرد بها هي ذلك العدد الضخم من تلك البطولات النادرة في فترة متناهية في القصر، مما لم يتح -في الكم ولا في النوع- لأمة واحدة في التاريخ، في مثل هذا الزمن القصير.
فهذا أبو بكر خليفة رسول الله، المهيمن على الدولة الناشئة، ومشاكلها المتعددة في الداخل والخارج، لا تمنعه كل هذه المشاغل عن أن تطوف بمشاعره أنبل العواطف الإنسانية، التي تكفي وحدها، لو شغلت قلب إنسان، أن ترفعه عن مستوى البشر العاديين! وأمثلة بره وعطفه كثيرة مشهورة، نجتزي منها بمثال واحد بسيط في مظهره، ولكنه عظيم الدلالة على قلب"الإنسان"الذي يخفق في صدر أبي بكر. خرج يومًا بعد توليه الخلافة فإذا جارية تقول:"اليوم لا تُحلب لنا منائح دارنا"ذلك أن أبا بكر كان يحلب لها إبلها من قبل وهو فرد من عامة المسلمين. أما وقد شغلته الخلافة فلن تجد الفتاة من يقوم بهذه المهمة! ولكنه يسمعها فيقول:"بلى والله لأحلبنها لكم!"فكان يحلبها لها كل يوم، ويسألها:"يا جارية! أأرغى أم أصرح؟"فأي ذلك قالته فعل!
وعمر ... إحدى معجزات الإسلام، لا يبيح لنفسه من الطعام والكساء أكثر مما لفرد من عامة المسلمين. فلما جاء عام الجوع، وأصاب المسلمين القحط، أقسم لا يذوق السمن حتى يفتح الله على المسلمين. وبقي عامه على هذا الحرمان حتى بسر وجه من أكل الزيت، والمسلمون يرون حاله فيشفقون عليه من الجهد الذي يبذله، مع قلة الطعام الذي يتناوله، فيرجونه أن يرأف بنفسه، ويبيحون له -عن طيب خاطر منهم- أن يأخذ من بيت المال ما يصلح به شأنه. ولكنه يرفض ذلك، ويصر على رفضه حتى يفيض الله الخير على المسلمين!
فيم هذا العناء كله، والدين لا يأمره به، والمجتمع الإسلامي يتمنى لو قبل عمر نصيحته، فقلل من شظف معيشته؟!
إنها الحساسية المرهفة في ضمير عمر. إنه التطوع النبيل الذي لم يفرضه عليه أحد إلا نفسه، وتفسيره قول عمر:"كيف يعنّيني أمر الرعية إذا لم يمسني ما يمسهم؟".