ويبيح لهم الاستمتاع بطيبات الحياة، ولكنه يحبب لهم أن يتخففوا منها، ويرتفعوا عليها، ويتجهوا إلى نعيم الروح:"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ".
كل ذلك على سبيل التطوع لا على سبيل الإلزام. وذلك أفعل في تربية النفس، وأدعى إلى تحقيق الغاية، لأن المتطوع يشعر بلذة عميقة في تطوعه، تعوضه عن المشقة التي يحتملها، وتحبب إليه الاستمرار فيه. لذة لا يستشعرها من يؤدي واجبًا مفروضًا عليه.
فلا عجب إذن حين نجد مثل أبي بكر وعمر في الذروة العليا من مدارج الإنسانية، مثلين متفردين تتطلع إليهما الأبصار، وتعجز الإنسانية حتى اليوم عن الإتيان لهما بشبيه.
ولم يكن ذلك منهما كبتًا، ولا تحريمًا لنشاط الحياة الدنيا. فالكبت يؤدي إلى الرهبنة، وإلى الاضطراب النفسي والعصبي. ولم يكن أحدهما راهبًا، فقد كانا خليفتين عاملين واجها أكبر مشاكل السياسة والإدارة والحرب، بالإضافة إلى نشاطهما الروحي الخاص؛ ولم يكن في تصرفاتهما الحاسمة الحازمة، المتزنة المحكمة، ما يشي بأثر واحد من آثار الكبت والاضطراب.
وإنما كان ارتفاعهما إلى تلك القمم السامقة بالإرادة الواعية، والضبط المستنير.
ولكن الناس لا يقدرون كلهم على هذا المستوى الرفيع.
بل إن بعض الناس، بتأثير ظروفهم الخاصة، وبيئتهم ووراثتهم، وبنية مزاجهم، لا يستطيعون حتى أن يصلوا إلى المستوى الذي يلزمه الإسلام للناس. أو هم يندّون عنه أحيانًا بسبب ضعفهم البشري، وغلبة الشهوات عليهم رغم مغالبتها ...
فهل يطرد أولئك من رحمة الله؟
كلا. إن الله لرحيم. وإنه لا يتركهم للعذاب الممض، وتأنيب الضمير القاتل؛ ولا يدع الإحساس بالإثم يفسد أعصابهم وينغص عليهم الحياة.
إنه يفتح لهم باب رحمته، فيقبل التوبة منهم حين يسعون إليها ويعملون لها."فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ"."أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ"."إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ"."إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا"."قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ". ويكفي أن نذكر أن التوبة باشتقاقاتها قد وردت في القرآن 87 مرة، والمغفرة بمشتقاتها 230 مرة، والرحمة والرحمن والرحيم 280 مرة. فتلك الأرقام ليست في حاجة إلى تعليق.
من هذه النظرة الشاملة، ومن هذه الطريقة المحكمة في معالجة النفس الإنسانية، نشأت تلك البطولات العجيبة النادرة التي زخر بها صدر الإسلام، وما زالت على فترات تؤتي أكلها بين الحين والحين، بالأمثلة المعجبة التي لا يتمالك الإنسان نفسه أمامها من العجب، أن يكون ذلك كله في مكنة بشر فانٍ محدود الطاقة، مشدود إلى الأرض بوشائج اللحم والدم.