إن الإسلام يتطلب من معتنقيه جميعًا أن يتصفوا بأخلاقه ويهتدوا بهديه، فينظفوا مشاعرهم، ويستشعروا تقوى الله في قلوبهم، ويصدروا عن هذه التقوى في أعمالهم.
ولكن الإنسانية لا تقف في ارتفاعها عند هذا الحد، وهو في ذاته مستوى عال رفيع. بل إنها لتقدر بعد ذلك على الكثير. فما يزال أمامها ميدان مشرق، يرفرف عليه النور، وتهتف به البشرى، وتحف به ملائكة الخير ترفرف بأجنحتها الشفيفة، وترتفع بأرواح المتطهرين إلى آفاق عليا، فتقرب بها من الملأ الأعلى، وترفع عنها الحجب، حتى تصل بها في لحظات الاستشفاف الصافية إلى النور العلوي المقدس، تقبس منه، فتعود أكثر استشفافًا، وأعظم رضى، وأشد رغبة في عمل الخير.
تلك هي الإنسانية في أفقها الأسمى، حيث ينسى الإنسان نفسه، ويذكر الكون الأكبر والحياة العظمى. يذكر أنه بضعة من هذا الكون العريض متناسقة متعاونة مع سائر الأجزاء، لا يتحقق وجوده الذاتي، إلا أن يهب نفسه لبقية الأجزاء عن رضى وطيب خاطر .. يذكر أن الإنسانية هي الوحدة العظمى التي تجمعه بإخوته فيها، وأن الحياة هي النهر الشامل الذي يسبحون فيه معًا ليصلوا جميعًا متعاونين متحابين، إلى الهدف الأخير، إلى الله خالق الحياة.
ذلك هو المثل الأعلى ...
ولكن الوصول إليه جهد ضخم لا يتيسر لكل إنسان، بل هو رهين بمواهب خاصة واستعداد خاص، يتميز به القلة النادرة من الناس.
لذلك لا يفرض الإسلام هذا المثل الأعلى على الجميع فرضًا، بل يرسمه أمامهم، ثم يتركهم لطاقاتهم:"لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا". ويتقبل من كل ما يتقدم به على قدر جهده:"وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا"فلا يظلم أحدًا، ولا يقسره على ما لا يقدر عليه.
إنه يحبب إليهم الصعود والارتفاع، ولكنه يدعهم يتطوعون بذلك، ثم يثيبهم بقدر ما تطوعوا جزاء في الآخرة. فهم بطبيعة ارتفاعهم وتطهرهم لا ينتظرون الجزاء في الحياة الدنيا، وإن كانوا ينالونه تقديرًا من الناس ومحبة، كما ينالونه شعورًا بالرضى والاغتباط حين يغالبون أنفسهم فيقدرون عليها.
يبيح للناس أن يأخذوا بثأرهم، ولكنه يحبب لهم العفو:"وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى"."أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ".
يبيح لهم الملك، ولكنه يحبب إليهم الإنفاق في سبيل الله، ولو خرجوا عن مالهم كله! قال أبو ذر:"خرجت يومًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررنا بأحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: ما أحب أن لي مثل أحد أنفق منه في سبيل الله، أموت وأترك منه قيراطين!".
ويقرهم على استشعار الكراهية للقتال، ولكنه يحبب إليهم الاستشهاد في سبيل الله، ويرسم لذلك صورًا مؤثرة رائعة:"إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"."وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ".