الصفحة 69 من 162

"إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ"فهي وسيلة إذن لهدف آخر، هو تطهير النفس من الفحشاء، أو معاونتها على التطهر، بالتذكير الدائم بصلة المخلوق بخالقه.

والصوم تجنيد للنفس، أو تمرين على الإرادة الضابطة التي يتوسل بها الإنسان لضبط شهواته والتحكم فيها:"كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ".

والزكاة ضبط لشهوة المال، وتطهير من رذيلة الشح، وتوسيع لأفق المشاعر عن الدائرة الذاتية الضيقة، إلى الإنسانية في ميدانها الواسع الفسيح:"خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا".

والحج -من استطاع إليه سبيلًا- له أثره الساحر في تطهير النفس وتقريبها من المثل العليا؛ وأن المثول بين يدي الله في بيته المكرم، والحياة فترة من الوقت في ظلال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، قريبًا من إشعاعه قربًا ماديًا معنويًا، كل ذلك ينسرب في النفس، فيصل إلى أعماقها ما لا يستطيع شيئًا آخر أن يصل إليه.

فالعبادات كلها إذن، وسيلة لا غاية. وسيلة لمعاونة الفرد في ضعفه، لكي يرتفع إلى حيث ينبغي أن يكون.

حين يصنع الإسلام ذلك: فيعترف أولًا بالواقع البشري كما هو في حقيقته، ولا يقسره على ما تأباه طباعه، ثم يضع له الحدود التي تمنع عنه الضرر فردًا مستقلًا في ذاته، وفردًا مشتركًا مع غيره في المجتمع، ويقيم في داخل نفسه إرادة واعية، يكل إليها ضبط الشهوات وتنظيم منصرفاتها، وينشأ مع هذه الإرادة ضميرًا حيًا يلتزم بمكارم الأخلاق، ويرتفع بالنفس عن مهاوي الشر، ومهابط الحيوان، إلى آفاق مشرقة رحيبة ...

عند ذلك يكون قد أعطى كل ذي حق حقه، واستجاب لكل رغبات الإنسانية، وقدم لها جميعًا ما تطلبه من غذاء: فأشبع الجسم، وأتاح للعقل أن ينشط، وقدم للروح غذاءها الروحاني من العقيدة، وما يتبعها من عبادات تقرب بين المخلوق وخالقه. كل ذلك في تناسق عجيب يجعل كلًا منها جزءًا من الآخر، متممًا له، ومساعدًا عليه، فالعبادة جسدًا يتحرك وروح تتسامى. والشهوة ذاتها عمل جسدي وهدف إنساني من ورائها يتحقق ... ولا انفصال بين هذا وذاك. ولا تعارض بين عمل وعبادة ... بل كل عمل يأتيه الإنسان ابتغاء مرضاة الله وهو مؤمن، فهو هو العبادة الحقة، لا خفض الهامات ولا عذاب العطش والجوع."من لم تنه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا"."من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة بترك طعامه وشرابه".

وعند ذلك أيضًا يكون الإسلام قد شمل كل النشاط الإنساني: شمل نوازعه الفطرية ونزعته إلى العلو والارتفاع. شمل اقتصادياته ومادياته وروحانياته. والتقى مع شيء من التفسير الجنسي للسلوك، والتفسير الجثماني للمشاعر، والتفسير المادي للتاريخ، والتفسير الاقتصادي للحياة، ووازن بينها جميعًا بحيث لا يطغى منها شيئًا عن حدها الطبيعي، ثم أضاف إلى ذلك جميعًا التفسير الروحي للسلوك والمشاعر والتاريخ والحياة، لا في النظريات فحسب، بل في واقعه العملي كذلك. ولذلك يكون أشمل نظام عرفته الأرض، وأوسع نظرة للإنسان عرفها التاريخ.

وهذا -في نظري- هو التفسير النفساني لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:"الإسلام دين الفطرة". أي الدين الذي يتمشى مع مطالب الفطرة السليمة، ويعالجها بخير طريقة يمكن بها استغلال كل المواهب البشرية، وتوجييها إلى الصراط المستقيم.

وقد حان أن نضرب الأمثلة التي توضح من دنيا الواقع ما بسطناه في النظريات. ولكن في الحديث عن الإسلام بقي ما كان هو هذا المكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت