وليس معنى ذلك كله أنني أزعم بأن الناس في ظل الإسلام يصبحون جميعًا ملائكة مطهرين! كلا ولكني لا أحلق في الخيال، ولا أجانب الواقع الذي يشهد به التاريخ، حين أقول: إنهم يصبحون في ظل الإسلام الحق، أنظف مما يستطيعون أن يصلوا إليه في ظل أي نظام على وجه الأرض. ولدينا مئات من الأمثلة على هذا الواقع المشهود لا نستطيع أن نثبتها كلها في هذا الكتاب، فهي تملأ بطون كتب التاريخ، سواء منها ما كتبه المسلمون عن أنفسهم، وما أقرت به كتب الأوربيين من أعداء الإسلام، والحق ما شهدت به الأعداء.
ولكنا سنجتزئ ببعض منها في نهاية هذا الفصل، اخترناه من بينها ليدل على معنى نفسي خاص.
والإسلام لا يدع الناس وحدهم في صراعهم الشاق مع شهواتهم، بل يقدم لهم العون العملي، والنفسي والروحي، ليساعدهم على الوصول إلى الهدف المنشود.
فمن الوجهة العملية هو يَشْغَلُهم بالعمل والجهاد. والمشغلة هي الطريقة العملية لصرف الناس ما أمكن عن هواتف الشهوات. وذلك من جهتين: الأولى أنها تستنفد جزءًا كبيرًا من الطاقة الحيوية المذخورة فتقلل من ضغطها على الأعصاب. ولفرويد في هذا الأمر نظرة صائبة إذ يقول في كتابه"The ego and the id"إن الطاقة الشهوية تبدو فيها ظاهرة عجيبة، فكأنها متصلة في المنبع بعضها ببعض كالأواني المستطرقة، أو كأنها صادرة كلها من منبع واحد، فأي تنفيس عن شيء منها ينفس عن الباقي جميعًا. وهذا صحيح. والإسلام يتنفد أغلب الطاقة في العمل والجهاد من أجل إعلاء كلمة الله.
والوجهة الأخرى أن الحياة عادة كما أسلفنا، فإذا تعوّد الفرد أن ينشغل عن داعي شهواته فترات طويلة، قلّ اندفاعه في تيارها دون أن يشعر بكبت ولا حرمان. وإن كان الإسلام لا يصل في ذلك إلى الحد الذي يقتل النوازع الفطرية أو يصرف الإنسان عنها نهائيًا، لأن ذلك يخل بنظريته العامة في التوازن. ومن أجل هذا حرمت الرهبانية في الإسلام.
والعمل ميدانه واسع ومجاله فسيح، وهو يشمل تعمير الأرض من كل وجهة يمكن فيها التعمير. والإسلام يدعو إلى ذلك دعوة صريحة، ويفضل العاملين على القاعدين ولو كانوا من المتعبدين! وكل عمل يتوجه به الإنسان إلى ربه فهو عبادة يثاب عليها الإنسان.
والجهاد أنواع: جهاد أعداء الإسلام في الخارج:"وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ". وجهاد الباغين في الداخل:"وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ". وجهاد الظالمين:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه وهو أضعف الإيمان".
كل ذلك هو الجهاد الأصغر كما جاء في القول:"عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". أما ذلك الجهاد الأكبر فهو جهاد النفس، وهو أشق مؤنة وأطول مدى وأبعد أثرًا.
وبجانب هذه المشغلة العملية يضع الإسلام العبادات. والعبادات ليست مقصودة لذاتها في الإسلام. صحيح أن الله يقول:"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ". ولكن الله غني عن عبادة العابدين وتسبيح المسبحين:"وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ". فهو لا يفرض عليهم العبادة لأنه هو في حاجة إليها سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا ... وإنما يفرضها لأنها تعينهم على الخير، وعلى تحقيق أهداف الإنسانية العليا، حين تطهر أرواحهم وتصل قلوبهم بالله.