وليس صادرًا من الكراهية الطاغية التي تجتاح النفس البشرية تجاه كل شخص آخر حتى من تحبهم وتقربهم (!) ، حتى إذا كادت تخرج من ظلام اللاشعور اصطدمت بأن ظهورها أمر لا يجوز أن يحدث (لم يقل فرويد لأي شيء أحس الإنسان الأول بأن عمله هذا لا يجوز. وتهرب بذلك من الاعتراف بالبذرة الحقيقية للنمو الخلقي للإنسانية (فإذا اصطدمت بهذا المنع، انقلبت فصارت حبًا أو تظاهرًا بالحب للغير، وللخير!!
وإنما هو ضمير خلقي واع يتفاهم مع النفس ويحاول تذكيرها دائمًا بأهداف الحياة العليا، وبأن الإنسان لا ينبغي أن يعيش لنفسه فقط، ولا ينبغي أن يستعبد لشهواته كالحيوان. فإذا كان الضمير يمسك أحيانًا بالعصا، ويهم بالضرب، أو يضرب فعلًا، فليس في ذلك من ضير ما دام ذلك كله في محيط الشعور، وما دام الضمير -في الإسلام- لا يوكل بكبت المشاعر الشهوية، بل بضبطها وتنظيمها بعد أن تظهر في عالم الشعور.
بل لا ضير في ذلك كله ما دامت الموانع والمحرمات في الإسلام واضحة واعية مفهومة الهدف معقولة الغاية، وما دامت عملية المنع والتحريم لا تتعرض في أية لحظة لمنبت الشهوة، بل لطريقة التنفيذ.
ويهتم الإسلام اهتمامًا بالغًا بتربية هذا الضمير منذ الطفولة، ويدع له تهذيب النفس والارتفاع بمشاعرها على أساس الغيرية؛ على أساس أن يقيم الإنسان من نفسه رقيبًا على أعماله يزجره عن إيذاء غيره، أو الاعتداء على حق من حقوقه ولو كان لا يحبه!"وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى"ويذهب في هذا إلى تحريم الاعتداء بالقول -لا بالفعل- سواء كان مواجهة أو في الغيبة. يقول"وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ"و"لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ"هذا في المواجهة. أما في الغيبة فيقول:"وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ". وكذلك يمنع التجسس للغرض ذاته.
ويدعو إلى أن تقوم العلاقات بين الناس على أساس الحب والتعاون:"أحِبَّ لأخيك ما تحب لنفسك"."المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا"."مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"."الناس بخير ما تعاونوا"... الخ. وذلك كله على أساس وحدة الإنسانية، واشتراك الناس جميعًا فيها بنسبة واحدة"الناس سواسية كأسنان المشط"فلا يجوز إذن أن يكون لفرد أيًا كان حق الاعتداء على فرد آخر أيًا كان. وعلى أساس أن الحب والتعاون هو الطريق الوحيد لتحقيق أهداف الحياة العليا، التي تنبت من نفس الفرد ذاته حين تهيأ لها أسباب النماء.
ويكل الإسلام إلى الضمير بعد تربيته وتهذيبه تنفيذ الشرائع والتوجيهات جميعًا، ولا يكل ذلك إلى القانون (إلا في الحالات الشاذة) لأن القانون يمنع من الخارج. ولكن دراية الإسلام بالنفس الإنسانية تجعله يدرك أن الامتناع من الداخل بتأثير الوازع الخلقي والديني، أكثر ضمانًا وأبلغ في الوصول إلى الغاية، لأن هذا الوازع اليقظ موجود مع الإنسان في أعماق نفسه، ومطلع على دقائقه وخفاياه. أما القانون في الخارج فأدواته محدودة وعلمه كذلك محدود.