وما دمنا متفقين على أن التسامي والارتفاع من أهداف الإنسانية فيجب إذن أن نتقبل الأداة التي لا يمكن أن يتحقق بدونها الارتفاع، وهي الإرادة القادرة على ضبط الشهوات.
ومن هنا لا يكون الإسلام متجنيًا على البشرية حين يجعل الإرادة هي الفارق الحاسم بين الإنسان والحيوان، وحين يرفض الاعتراف بإنسانية أحد أو قوم إذا هم فقدوا إرادتهم، واستحبوا الانطلاق كالحيوان، أو"استحبوا العمى على الهدى"كما يعبر القرآن.
والقرآن يصفهم بأنهم"شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ"وأنهم"صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ"ويعتبر الذين نقضوا ميثاقهم، استجابة لشهواتهم، واستحبابًا أن ينطلقوا معها على أن يضبطوها ويلزموها حدودها، حيوانات غير جديرة بصفة الإنسانية فيقول:"وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوا [1] مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ"أي حيوانات. لأنهم قد انتكسوا إلى المرتبة الحيوانية حين لم يُعملوا إرادتهم، وهي الفارق بين الإنسان والحيوان.
والإسلام لا يعترف بالجبرية النفسية التي أوحى بها فرويد ومن تبعه من علماء النفس التحليليين والتجريبيين. فهو أولًا لا يأخذ الإنسان تفاريق كما يصنع علماء المعمل التجريبي، ولا يبالغ في تقدير أهمية جانب من النفس الإنسانية على حساب الجوانب الأخرى، كما يصنع التحليليون الذين يهبطون -بطبيعة منهجهم العلمي- من الذروة العليا للإنسان، إلى بذوره الدفينة في الأرض، فينسون ما مروا به في الطريق من ضوابط ومنظمات، ويذكرون فقط تلك الطاقة الديناميكية المحركة في قرار النفس، طاقة الجسد وشحنة الشهوات.
ينظر الإسلام للإنسان نظرة واسعة عميقة، تشمل الطاقة المحركة"والفرامل [2] "الضابطة في آن واحد، فيكون أعدل ممن يقف عند المحرك لا يهمه سوى إطلاق شحنته (كما يفعل فرويد) ، أو يقف عند"الفرامل"لا يهمه إلا استخدامها خشية أن تؤدي الحركة إلى خطر الاندفاع (كما تفعل كل العقائد المتزمتة) !
بهذه النظرة الشاملة العادلة يوازن بين جوانب الإنسان المختلفة، ويضع كلًا منها في موضعه الصحيح. ويقيم الإرادة مشرفة على تنظيم الشهوة، متحكمة في انطلاقها، دون أن يكلفها وقف الجهاز الإنساني عن العمل، أو كبته حتى تنفجر شحنته الخطيرة.
وحين يقيم الإرادة ويكل إليها هذا التنظيم يجعلها مناط"المسئولية"الجنائية والخلقية، لا في الحياة الدنيا فحسب، بل في الآخرة كذلك. فيقول القرآن:"بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ". ويقول عن النفس الإنسانية:"وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا". وعلى هذا لا يكون الحساب ظلمًا ولا تكليفًا غير مشروع.
ومع الإرادة الضابطة ينشأ الضمير ...
وهو ليس ضميرًا نفعيًا كالذات العليا التي رسمها فرويد، مهمتها"حماية"الذات من ضغط المجتمع الخارجي، بإجبارها على الخضوع لأحكامه التي تتمثل أولًا في الوالد، ثم في الإله .. الخ.
(1) لم يكن هناك"اعتداء"بالمعنى المعروف، وإنما كان هناك انسياق وراء شهوة من شهوات الأرض، وقد اعتبرها القرآن اعتداء لأن فيها نقضًا للميثاق من جهة، وهبوطًا بالكيان الإنساني عما ينبغي له من النظافة من جهة أخرى.
(2) الفرامل: كلمة افرنجية دخلت إلى اللغة العامية، ولكني أرى أن استخدامها في العربية لا غبار عليه، فهي تقبل جميع الصيغ العربية في الاشتقاق فعلًا ومصدرًا واسمًا.