الصفحة 65 من 162

الحيوان فقط هو الذي لا يضبط نوازعه، ولا يملك أن يضبطها إلا قسرًا. أما الإنسان -وتلك مزيته التي كرمه الله بها- فقادر على ضبط نفسه عن طريق الإرادة المتحكمة في مشاعره وأعماله. وهو ليس بإنسان إن لم يعمل على ضبط نوازعه وتنظيم شهواته.

وهذه النظرة من جانب الإسلام ليست تحكمًا، ولا تكليفاُ للبشر بما ليس في طاقتهم.

فمن المستحيل عمليًا أن ترتقي الإنسانية وتحقق أهدافها العليا، إذا هي ظلت مستعبدة لشهواتها، كلما دعتها استجابت لها واندفعت معها إلى آخر الطريق.

مستحيل أولًا من جهة الطاقة البشرية وهي محدودة على أي حال، فإذا أنفقت كلها في إرضاء رغبات الجسد -كما يصنع الحيوان- لم يبق فيها ما يتوجه به الإنسان إلى أعمال أخرى فكرية أو نفسية عالية. وقد يخلب البريق الغربي ألباب المستعبدين هنا، فيقولون: انظروا، هذه هي أمريكا قد انطلقت من عقالها، فأباحت لبنيها وبناتها في كل وقت وكل مكان، أن ينزو بعضهم على بعض، وأن يفرغوا شحنتهم الجنسية بلا قيود، ومع ذلك فهم من أكثر الأم إنتاجًا وأقدرهم على العمل المتواصل.

وهذا حق، ولكنه ليس الحق كله.

فيجب أولًا أن نجعل في حسابنا أن أمريكا أمة فتية غنية، وأن طاقتها المذخورة لم تنفق بعد: طاقتها الاقتصادية والمادية والنفسية على السواء. فهي إذن أقدر من غيرها على احتمال هذا التيار الجارف من الانحلال، كما يكون الشاب الفتي أقدر من احتمال الأمراض المختلفة، دون أن يبدو من الظاهر أنها قد أثرت في بنيته. ولكن هذا وهم. لأن كل نوبة من نوبات المرض تترك آثارها في جسمه لا محالة، فتعجل بشيخوخته وتعصف به قبل الأوان. فإذا أصرت أمريكا على ما هي ماضية فيه من الانحلال الخلقي، ولم تأخذ بحجز أبنائها وبناتها أن يتهاووا إلى حمأة الرذيلة، فليس لها إلا مصير واحد، هو مصير فرنسا حين نخر فيها الانحلال فهوت راكعة ذليلة؛ وهو مصير كل أمة في التاريخ أطلقت لنفسها عنان الشهوات، كما سنعت الإمبراطوريتان الرومانية والفارسية من قبل، فاستطاع الإسلام الفتي أن يزلزل كيانهما في فترة قصيرة كأنها البرق اللامح؛ وكما صنع العالم الإسلام حين أُترف واجتاحته الشهوات، فتهاوى أمام قوة الفاتحين.

هذه واحدة .. والثانية أنه إذا كان في إمكان الشعب الأميكي ذي الطاقة المذخورة، أن يغرق اليوم في الشهوات ثم يقدر على العمل الآلي البحت، فإنه لم يظهر مقدرته على الارتفاع النفسي، وهذه حضارته حضارة مادية هابطة، ليس فيها مكان للمشاعر الإنسانية ولا المثل الخلقية. وهذا يجرفها في تيار الصراع المادي الذي يؤدي إلى الحرب وإلى الخراب ..

والثالثة أن"المفكرين"هناك لا يغرقون في تيار الشهوات كأفراد، بل هم أشخاص معتدلون في حياتهم الخاصة. ثم هم لا يوافقون الشعب على انحلاله الخلقي، بل يصرخون في وجهه محذرين: أن هذا خطر محقق يجب أن يرتدعوا عنه.

فمن المستحيل إذن -من جهة الطاقة المحدودة- أن تنفق في شهوات الجسد، ثم تبقى في الإنسان قدرة على التسامي والارتفاع.

ومن جهة أخرى فإن الحياة عادة ... فإذا تعود الإنسان أن يكون دائمًا عبدًا لشهواته الهابطة، فلن يجد دافعًا للارتفاع عن مستوى الجسد، حتى لو وجد الطاقة اللازمة لذلك. خاصة وأن التلبية المستمرة لداعي الشهوة من شأنها أن تعوّد الإنسان على لون من الترف النفسي المترهل، يصبح معه كارهًا لتكاليف الارتفاع. كما يكره الجسم المترف الكسول دواعي النشاط والحركة، لا لأنها في ذاتها مؤذية لكيانه -فهي على العكس لازمة له- ولكن لأنه أصبح عاجزًا عن احتمالها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت