وإطلاق القول على هذه الصورة غير صحيح، فالثابت من مشاهدات علم النفس أن الطفل على قدر من الوعي أعظم بكثير مما يظن أغلب الناس. وأن في إمكان المرابي -بحذقه ومهارته- أن يبين للطفل الحكمة في منعه من إتيان عمل من الأعمال بطريقة لا يتعذر فهمها على مداركه. وقد وصلت الطريقة الأمريكية في تربية الأطفال إلى درجة معجبة في هذا السبيل، تشهد بأن ذلك في الإمكان. وعلى أي حال، فإذا كان من المتعذر أن تكون كل الموانع واعية في زمن الطفولة، فالفرصة موجودة دائمًا لرفعها إلى عالم الشعور الواعي فيما بعد، حين تنضج أفكار الطفل إلى حد يسمح لها بالاستيعاب. فإذا فرضنا جدلًا أن بعض الأطفال قد أصيبوا بشيء من الكبت المبكر، فإن الوعي الذي يبثه الإسلام في نفس المؤمن كفيل بإزالة أي أثر للكبت.
هذا الضبط الواعي إذن يختلف في طبيعته اختلافًا أساسيًا عن الكبت اللاشعوري، وينجو من أضراره جميعًا لأنه يعترف بحق الشهوة في أن توجد، ولكنه"يعلق"تنفيذها العملي إلى اللحظة المناسبة. ولعل خير مثال له في الإسلام هو الصيام. فالصائم لا يحرم على نفسه الطعام والشراب من حيث المبدأ، وإنما هو"يعلق"أو يؤجل تنفيذ حقه فيهما إلى لحظة معينة. وكأنما يقوم بينه وبين نفسه هذا الحديث:"إنني ممتنع عن الطعام والشراب، ولكن هذا الامتناع ليس أبديًا، إنه موقوت بساعات، وبعدها أستمتع بكل ما هو محرم عليّ الآن. وقد امتنعت على وعي مني ومعرفة. إجابة لأمر صادر إليّ من أعلى. ولكني مقدر حكمة هذا الأمر وفائدته. وإن أحدًا لا يمنعني لو أردت أن آكل أو أشرب. ولكني أنا أمنع نفسي، لأني أشعر بذلك أنني تفوقت على نفسي، فأفرح بهذه المقدرة وأكبر في نظر نفسي!".
ومثل هذا الحديث الذي ليس خيالًا كله، هو الذي يدفع الأطفال إلى التشبث بالصيام دون أن يكلفهم به أحد، وهو الذي يجعل عدد الصائمين -حتى في وقت الانحلال الديني- أكبر من عدد المصلين. على عكس ما كان ينتظر، نظرًا لمشقة الصوم وسهولة الصلاة بالنسبة إليه. ويرجع ذلك إلى أن مغالبة النفس أوضح في الصوم منها في الصلاة. وهي -كما يشهد الواقع- عملية محببة حين يوجه إليها الإنسان.
وأحب أن أكون صريحًا صراحة الإسلام في معالجة النفس الإنسانية، فلا أزعم أن عملية الضبط تكون دائمًا سهلة ميسرة؛ فما من شك أنها تكون أحيانًا غاية في المشقة، وخاصة حين يطلب من الإنسان أن يتجرد من متاع الحياة الدنيا، لكي يجاهد في سبيل الله.
ولكني أذكر في ذلك حقيقتين هامتين: الأولى أن الضبط رياضة نفسية تشبه في كثير من وجوهها الرياضة البدنية، فكلتاهما قد تشق في بادئ الأمر، ولكن التعود عليها يقلل من مشقتها إلى حد كبير. وكلما بدأ الإنسان بها في وقت مبكر، كان أقدر على احتمال تكاليفها، وأحرى أن يصل فيها إلى درجة من التمكن والإبداع.
ولهذا يحرص الإسلام حرصًا شديدًا على أن يبدأ التوجيه السليم من أول سنوات الطفولة، فيعوّد الطفل على ضبط رغباته -لا كبتها- منذ نعومة أظفاره.
والحقيقة الثانية أن تربية الإرادة بهذه الصورة عملية لا تخلو من لذة. وقد نصدّق هنا فرويد حين يقول: إن في النفس البشرية رغبة في تحمل الألم والالتذاذ به [1] . فليس الألم الذي يحدثه الضبط أحيانًا غريبًا على البشرية أو خارجًا عن طاقتها، وإنما هو على العكس من ذلك أمر مرغوب فيه.
والإرادة في الإسلام هي الفارق الحاسم بين الإنسان والحيوان. وهي مناط المسئولية ومحور الارتكاز في النظام الإسلامي كله.
(1) قلنا من قبل: إن معارضتنا للأسس العامة لنظريات فرويد لا تنفي أن بعض آرائه صحيح.