هذا الضبط الواعي، المنظم المتحكم، هو الرقيب اليقظ الذي يحاسب النفس على أعمالها ويوجهها إلى طريق الصلاح، أو إلى الصراط المستقيم كما يعبر القرآن. وكلما زادت درجة التهذيب زادت يقظة هذا الرقيب، وزاد إشرافه على ما يأتيه الإنسان من أعمال، بحيث لا يفر عمل واحد من رقابته، ولا يخرج إلى الوجود دون تصريح منه ... ولكنه دائمًا في وعيه، يحاسب النفس حسب لوائح معروفة، وأسبابها كذلك معروفة، فهي ليست طلاسم وألغازًا، وليست قرارات تحكمية قصد بها أن ترضي نزعة السلطان! وإنما هي دستور موضوع بحكمة وتدبير. وقد يقال: إنه ليس لفرد أن يناقش هذا الدستور، لأنه منزل من عند الله سبحانه، فلا يجوز التعرض لأحكامه ولا يحل تغييرها على أي حال. ولكن مزية الإسلام في هذا الموضع بالذات، لأنه لم يفرض شيئًا من الحدود لمجرد شهوة الفرض. وإنما وضع حكمته من كل فرض يفرضه. وليس في وسع النظرة الموضوعية التي لا تتأثر بعاطفة ولا عقيدة، أن تنكر أن هذه التشريعات والحدود قد قصد بها مصلحة الإنسانية لا ضررها. فإذا كان الرقيب يحاسب النفس بموجب هذا الدستور المنزل، فإنما عن اقتناع شعوري واع بمعقوليته ومشروعيته [1] .
وليس معنى هذا -من الوجهة النفسية أن الكبت ينتفي تمامًا من النفس البشرية، فقد يكون هذا مستحيلًا، وقد يكون بعض الكبت خيرًا. وفرويد ذاته يقرر أن قدرًا معينًا من الكبن ينشأ بطريقة ذاتية ولا ضرر فيه. ولولا وجود الكبت لظل الإنسان في عذاب دائم من رغبات لا يمكن تحقيقها أصلًا، لا لأن المجتمع أو الدين أو الأخلاق تحول دونها، ولكن لأن الطاقة البشرية تقف دونها عاجزة، كالرغبة في الطيران في الجو كالطيور، والرغبة في السيطرة المطلقة على قوى الطبيعة! ورغبة بعض الأطفال في الحصول على القمر! ولعل كبت هذه الرغبات المستحيلة هو الذي يوجه النشاط العملي لمحاولة تحقيقها من طريق آخر، ويوجه الفن لتحقيقها في الخيال!
أجل ليس معنى هذا أن ينتفي الكبت على إطلاقه. وإنما معناه أن الرقيب يظل بيقظته الدائمة يعمل على إخراج"الممنوعات"من اللاشعور إلى دائرة الشعور، ومناقشتها وبيان أسبابها، وبذلك ينتفي الأثر الضار للكبت، وتضيق دائرته إلى أبعد الحدود.
وقد يقال: إن تربية الطفل تستلزم توجيه الأوامر والنواهي إليه باستمرار، دون أن يستطيع في طفولته إدراك الحكمة من هذا التوجيه، فلا مناص إذن من أن تهبط هذه التوجيهات إلى اللاشعور.
(1) ينبغي أن نضيف هنا إلى ما سبق كتابته في الطبعات السابقة أن بعض التشريعات لا تذكر حكمتها في القرآن والسنة، أو يذكر في بيانها أنها فرضت"لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ"أو"لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". وأن طاعة الله واجبة دائمًا سواء عرف الإنسان حكمة الأمر الرباني أو لم يعرفه. ولكن ينبغي هنا أن نجعل بالنا إلى أمرين: الأول أنه -مع وجوب الطاعة- فلا حظر على التفكير لمحاولة معرفة الحكمة من الأوامر الربانية، بل الاجتهاد في هذا مستحب. والثاني أن الإنسان المؤمن حين يطيع ربه فيما يتعبده به يحس أنه يطيع ربًا كريمًا يريد بالإنسان اليسر ولا يريد به العسر، ويحب له الخير، ولا يحب له الأذى في الدنيا ولا الآخرة:"مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ" [سورةا لنساء: 147] فيطيع عن رضا؛ ويطيع طمعًا في ثواب الله في الدنيا والآخرة:"فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ" [سورة آل عمران: 148] .