الصفحة 120 من 162

وأما إحساس المرأة بالجنس فهو عميق جدًا، وشامل جدًا. ولم يكن بد من ذلك، حتى لا تحملها آلام الحمل والوضع والرضاعة على الإفلات! وهو لا يتركز في نشوة الجنس الطارئة كما يحدث عند الرجل. فبينما تنتهي المسألة -مؤقتًا- عند الرجل بهذا التفريغ السريع، فهي على العكس من ذلك عند المرأة قد تبدأ بهذا التفريغ، إذ يليه الحمل والولادة والرضاعة والتربية .. إلى آخر هذه الأمور، وكلها عند المرأة جزء من الإحساس الجنسي الأصيل.

ولا يقتصر الأمر على هذا الاختلاف الجسدي"البيولوجي"بين الرجل والمرأة في شأن الجنس. فإن أمورًا كثيرة أخرى نفسية وعقلية تشير إلى هذا الاختلاف. وليس اهتمام المرأة الشديد بزينتها، مهما تكن درجة ثقافتها أو العمل الذي تؤديه، إلا مظهرًا من مظاهر هذا الأمر. ففي أعماقها رغبة شديدة في أن تبدو جميلة على الدوام. وهذا -في حسها- هو التعبير المباشر عن"أنوثتها".

وتبعًا لهذا الاختلاف الحاسم في المهمة والأهداف، اختلفت طبيعة الرجل والمرأة، ليواجه كل منهما مطالبه الأساسية وقد زودته الحياة بكل التيسيرات الممكنة، ومنحته التكييف الملائم لوظيفته.

لذلك لا أرى كيف تستساغ هذه الثرثرة الفارغة عن المساواة الآلية بين الجنسين! إن المساواة في الإنسانية أمر طبيعي ومطلب معقول. فالمرأة والرجل هما شقا الإنسانية، أو هما نصفا التفاحة التي تشير إليها الأسطورة الشهيرة. أما المساواة في وظائف الحياة وطرائقها، فكيف يمكن تنفيذها، ولو أرادتها كل نساء الأرض، وعقدت من أجلها المؤتمرات، وأصدرت القرارات؟

هل في وسع هذه المؤتمرات وقراراتها الخطيرة، أن تبدل طبائع الأشياء، فتجعل الرجل يشارك المرأة في الحمل والولادة والإرضاع؟

وهل يمكن أن تكون هناك وظيفة بيولوجية من غير تكييف نفسي وجسدي خاص؟ هل اختصاص أحد الجنسين بالحمل والرضاعة لا يستتبعه أن تكون مشاعر هذا الجنس وعواطفه وأفكاره مهيأة بطريقة خاصة لاستقبال هذا الحادث الضخم، والتمشي مع مطالبه الدائمة؟

إن الأمومة، بكل ما تحويه من مشاعر نبيلة، وأعمال رفيعة، وصبر على الجهد المتواصل، ودقة متناهية في الملاحظة وفي الأداء .. هي التكييف النفسي والعصبي والفكري، الذي يقابل التكييف الجسدي للحمل والإرضاع. كلاهما متمّم للآخر، متناسق معه، بحيث يكون شذوذًا عجيبًا أن يوجد أحدهما في غيبة من الآخر.

وهذه الرقة اللطيفة في العاطفة، والانفعال السريع في الوجدان، والثورة القوية في المشاعر، التي تجعل الجانب العاطفي، لا الفكري، هو النبع المستعد أبدًا بالفيض، المستجاش أبدًا بأول لمسة .. كل ذلك من مستلزمات الأمومة، لأن مطالب الطفولة لا تحتاج إلى التفكير، الذي قد يسرع أو يبطئ، وفد يستجيب أو لا يستجيب. وإنما تحتاج إلى عاطفة مشبوبة لا تفكر، بل تلبي الداعي بلا تراخ ولا إبطاء.

فهذا كله هو الوضع الصحيح للمرأة حين تلبي وظيفتها الأصيلة، وهدفها المرسوم.

والرجل من جانب آخر مكلف وظيفة أخرى، ومهيأ لها على طريقة أخرى.

مكلف بصراع الحياة في الخارج. سواء كان الصراع هو مجابهة الوحوش في الغابة، أو قوى الطبيعة في السماء والأرض، أو نظام الحكم وقوانين الاقتصاد .. كل ذلك لاستخلاص القوت، ولحماية ذاته وزوجه وأولاده وعشيرته من العدوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت