الصفحة 121 من 162

هذه الوظيفة لا تحتاج أن تكون العاطفة هي المنبع المستجاش. بل ذلك يضرها ولا ينفعها. فالعاطفة تنقلب في لحظات من النقيض إلى النقيض. ولا تصبر على اتجاه واحد إلا فترة، تتجه بعدها إلى هدف جديد. وهذا يصلح لمطالب الأمومة المتغيرة المتقلبة، ولكنه لا يصلح لعمل له خطة مرسومة، ويحتاج في تنفيذه إلى الثبات على وضع واحد لفترة طويلة من الوقت. وإنما يصلح لذلك الفكر. فهو بطبيعته أقدر على التدبير وحساب المقدمات والنتائج قبل التنفيذ. وهو أبطأ عملًا من العاطفة الجياشة المتفجرة؛ ولكن المطلوب منه ليس هو السرعة بقدر ما هو تقدير الاحتمالات والعواقب، وتهيئة أحسن الأسباب للوصول إلى الهدف المنشود. وسواء كان المقصود هو صيد فريسة، أو اختراع آلة، أو وضع خطة اقتصادية، أو سياسة حكم، أو إشعال حرب، أو تدبير سلم، فكلها أمور تحتاج إلى إعمال الفكر ويفسدها تقلب العاطفة.

ولذلك فالرجل في وضعه الصحيح حين يؤدي هدفه الصحيح.

وهذا يفسر كثيرًا من أوجه الخلاف بين الرجل والمرأة. فهو يفسر مثلًا لماذا يستقر الرجل في عمله، ويمنحه الجانب الأكبر من نفسه وتفكيره، بينما هو في الميدان العاطفي متنقل كالأطفال. في حين أن المرأة تستقر في علاقتها العاطفية تجاه الرجل، وحينما تتجه إليه فكأنما كيانها كله يتحرك ويدبر الخطط ويرتب الملابسات. وهي في هذا الشأن أبعد ما تكون نظرًا وأشد ما تكون دقة. ترسم أهدافها لمسافات بعيدة وتعمل دائبة على تحقيق أغراضها. بينما هي لا تستقر في العمل، إلا أن يكون فيه ما يلبي جزءًا من طبيعتها الأنثوية كالتمريض أو التدريس أو الحضانة. أما حين تعمل في المتجر، فهي تلبي كذلك جزءًا من عاطفتها، بحثًا عن الرجل هناك. ولكن هذه الأعمال كلها بديل لا يغني عن الأصل، وهو الحصول على رجل وبيت وأسرة وأولاد. وما إن تعرض الفرصة للوظيفة الأولى حتى تترك المرأة عملها، لتهب نفسها لبيتها؛ إلا أن يحول دون ذلك عائق قهري، كحاجتها الشديدة إلى المال.

ولكن هذا ليس معناه الفصل الحاسم القاطع بين الجنسين. ولا معناه أن كلا منهما لا يصلح أية صلاحية لعمل الآخر.

فالعلم يقرر أن الجنين في أسابيعه الأولى لا يكون له جنس متميز، بل يحوي أعضاء الذكورة والأنوثة في وقت واحد، ولا يتقرر جنسه إلا في الشهر الثالث، فتنمو مجموعة من الأعضاء وتظل الأخرى على حالتها الجنينية، ولكنها تبقى مكانها ولا تزول. وهكذا يحمل كل جنس أعضاء من الجنس الآخر. ويقرر العلم كذلك أن في كل من الجنسين هرمونات جنسية مزدوجة، وإنما تغلب واحدة على الأخرى فتكون الرجولة أو الأنوثة واضحة بقدر هذه الغلبة وعلى حسب نسبتها. فإذا جاءت الشيخوخة ضعفت الهرمونات المميزة للجنس، فأخذت الأخرى تظهر عليها رويدًا رويدًا، فيخشن صوت المرأة، ويضعف صوت الرجل ويرق ...

الجنسان إذن خليط، وعلى نسب متفاوتة. فإذا وجدت امرأة تصلح للحكم أو القضاء أو حمل الأثقال أو الحرب والقتال .. وإذا وجد رجل يصلح للطهي وإدارة البيوت أو الإشراف الدقيق على الأطفال، أو الحنان الأنثوي، أو كان عاطفيًا سريع التقلب يتنقل في لحظة من النقيض للنقيض ..

فكل ذلك أمر طبيعي، ونتيجة صحيحة لاختلاط الجنسين في كيان كل جنس. ولكنه خلو من الدلالة المزيفة التي يريد أن يلصقها به شذاذ الآفاق، في الغرب المنحل والشرق المتفكك سواء.

فالمسألة في وضعها الصحيح ينبغي أن توضع على هذه الصورة: هل كل هذه الأعمال التي تصلح لها المرأة زائدة عن وظيفتها الطبيعية، تغنيها عن هذه الوظيفة الأصيلة؟ تغنيها عن طلب البيت والأولاد والأسرة؟ وتغنيها عن طلب الرجل قبل هذا وبعد ذلك ليكون في البيت رجل؟ بصرف النظر عن شهوة الجنس وجوعة الجسد؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت