على أن ذلك كله شيء والمساواة الإنسانية شيء آخر. فكلا الجنسين من طينة واحدة ومن أصل واحد. وكلاهما ينطبق عليه الوصف الذي أوردناه في فصل"نظرة الإسلام": مخلوق لا هو بالملاك و بالحيوان، وإن كان قادرًا على الصعود كالملائكة، والهبوط إلى مستوى الحيوان.
ولست أجد في نفسي ميلًا لتلك المفاخرات التي يعقدها الجنسان كل ضد الآخر، كالمفاخرة بين القطار والطائرة، والطبيب والمهندس .. إلى آخر ما تفسد به دروس الإنشاء عقول التلاميذ!
إنني أومن بأن لكل من الجنسين نبالاته الرفيعة، وسفالاته المخزية، كل في ميدانه وعلى طريقته. فالرجل الذي يهب نفسه لفكرة، فيعيش حياته كلها من أجلها، لا تفتنه مغريات الأرض، ولا تقعده عن الجهاد عقبة، دون أن يكون له في ذلك مصلحة قريبة أو بعيدة، وإنما يعمل لصالح الإنسانية بلا تمييز؛ الإنسانية التي يربطها بقلبه الحب .. الحب الخالص من الضغائن والأحقاد .. الحب الشامل للجميع .. ذلك يرتفع إلى قمم لا تقدر عليها المرأة [1] .
والرجل الذي يهبط إلى حيوانية الجنس، فيتحول إلى نزوة بهيمية لا تهدأ، إلى ذئب مفترس لا يكاد ينتهي من الاعتداء على فريسة حتى يبحث عن أخرى في سعار مجنون، ذلك يهبط إلى مستوى لا تقدر عليه المرأة السوية.
والمرأة التي تهب نفسها لحب كبير، لرجلها أو أبنائها وبيتها، فتتفانى في ذلك إلى أبعد حد. إلى حد أن تنسى نفسها وأنانيتها، وكأنما كل ذرة من كيانها قد تحولت إلى طاقة تنفقها لإسعاد من تحب؛ تلك ترتفع إلى قمة لا يصل إليها الرجل.
والمرأة التي تبلغ بها وحشية الغيرة من امرأة أخرى أن تقتل لها أولادها، أو تنشب أظافرها في جسدها تمزقه، تهبط إلى مستوى لا يقدر عليه الرجل السوي.
وبين هذه القمم العالية والمنحدرات السحيقة يلتقي الجنسان في كثير من ألوان النبل وكثير من الحقارات ... كل على طريقته، وفي ميدانه. ولكن أعجب ما في هذه الحياة أن نتوءات كل جنس تلتقي في الجنس الآخر بأوضاع كأنما هي مرسومة على قدها لتتلبس بها وتثبت فيها! كل بروز هنا يقابله هناك تجويف، وكل تجويف هنا يقابله هناك بروز. ومن التحام الجزئين المتقابلين تتألف"تعشيقة"مترابطة متناسقة، يتكون منها مخلوق متكامل، متآلف الأجزاء. وقد يحدث أحيانًا ألا يتآلف الجزءان، لأن كلًا منهما ليس على قد الآخر بالتمام. فيكون معنى ذلك أنه قد وقع خطأ في التنسيق: فذهب كل نصف من نصفي التفاحة في طريق، ولم يعثر على نصفه الأصيل. ولكن التنافر الكامل قليل على أي حال، وفي الإنسانية من المرونة ما يجعلها توفق نتوءاتها ومنحنياتها، ليتلبس كل نصف بالآخر على قدر الإمكان.
(1) حين كتبت هذا في الطبعة الأولى كان في خاطري الأنبياء -وكلهم من الرجال- والمصلحون المخلصون والمكافحون في سبيل الأفكار والعقائد. ثم خطر لي من عالم المرأة في داخل الإسلام وخارجه أسماء شهيرة: أسماء بنت أبي بكر ومدام كوري وجان دارك؛ بالإضافة إلى كثير غيرهن من المؤمنات بعقيدة والمكافحات في سبيلها. ولكن ينبغي أن نذكر في هذا الشأن حقيقتين بارزتين: الأولى أن المرأة لا تصبر للكفاح الطويل مع الهزيمة. والثانية أنها لا تصبر على الكفاح الذي لا يؤتي ثماره في أثناء حياتها الفردية. بينما عظماء المكافحين من الرجال يصبرون على الهزائم المتكررة ويظلون على نفس الدرجة من التصميم. كما أنهم يستطيعون الكفاح من أجل فكرة يعلمون في قرارة أنفسهم أنها لن تتحقق في جيلهم ولن تنتصر وهم أحياء. وتلك فروق ينبغي أن يحسب حسابها في هذا المجال.