وأنا أومن بتكافؤ الجنسين على هذا المعنى؛ على أساس التقابل في النتوءات والمنحنيات، ليتكون منها تمازج كامل بين القسمين المتقابلين. ولكني لا أستطيع أن أومن به على أساس التماثل المطلق. ففضلًا عن المغالطة الضخمة التي تحملها هذه الدعوى بين طياتها، وإغفالها لكل الحقائق الجسدية والنفسية، البيولوجية والفسيولوجية، فإنها لا تؤدي إلى التآلف المنشود، بل تؤدي إلى الاحتكاك الدائم بين النتوءات المتماثلة، التي يبرز بعضها في وجه بعض. فما يحب الرجل أن يقضي حياته مع رجل مثله، وما يلبي رغبات المرأة أن تعيش مع امرأة تشابهها في الطباع، تنقص حيث تنقص هي، وتزيد حيث تزيد، فلا يلتقي هذا النقص بتلك الزيادة. ويخطر على ذهني تشبيه لا أملك الإفلات من صورته: صورة حذاء كلتا فردتيه يمين أو يسار!! وأتخيل لابسه وهو يعرج بإحدى قدميه لأن الحذاء لا يوافقها، وقد يصبر عليه حينًا، ولكنه يضيق به في النهاية، فيلقيه عنه في حنق وضيق!
وليست العلاقة بين المرأة والرجل علاقة الصراع والقتال، ليشحذ كل منهما سلاحه في وجه الآخر مدى الحياة. فإذا كان هناك صراع وهمي، فأنا أتخيله لا كالجيشين اللذين يلتقيان ليفتك كل منهما بالآخر، بل ليتفرس كل في الآخر، ويعجم عوده، ويكشف حقيقته بعد أن ينحي عنه الدروع التي يختفي وراءها. فإذا اطمأن إلى تلك الحقيقة ألقى سلاحه، وراح يحتضن خصمه الوهمي في شوق وابتهاج!!
وأسلحة هذا الصراع متكافئة، ولكنها ليست متماثلة. فإذا غلب الرجل بجسمه أو بعقله، أو بنقوده كما يقول الاقتصاديون، فهي تغلب بجاذبيتها وأنوثتها، فتأخذ السلب كله وتملكه في النهاية!
تلك هي الفطرة السوية، وفيها الخير كل الخير. فإذا ألقت المرأة سلاحها الأصيل، ولجأت إلى أسلحة الرجل لتحاربه بها، فقد انقلبت المسألة إذن إلى صراع حقيقي بغيض، قد يغلب فيه هذا أو ذاك. ولكن الجيشين ينحسران، فإذا جثث القتلى تملأ الميدان، جثث الحب والود والتعاطف. ولا يبقى بعد ذلك إلا وجوه صلدة وقلوب متحجرة، وشقاء يشمل الجميع.
على أن هذا كله لا ينفي أن المرأة قد أوذيت واضطهدت على مدار التاريخ. ولا ينفي أنها قد عُيّرت بأنها تحمل وتلد ولا تخرج إلى العمل، ولا تكسب قوتها بنفسها.
وتلك حطة تردت فيها البشرية، وما كان يجوز لها أن تنزل إليها. ولكني لا أرى كيف يمكن علاج ذلك بخروج المرأة إلى العمل، وتكسبها للمال، وقد كانت نتيجة ذلك في المجتمع الأوربي أن صارت المرأة -باختيارها- متعة لهو تهب نفسها راضية لكل نزوة هائجة في جسد حيوان! بل صارت في المجتمع الأمريكي -وقد حصلت على المساواة الاقتصادية الكاملة- تسعى بنفسها لاصطياد الرجل، وتنزلف إليه لعله يرضى!!
أو هذه هي الكرامة التي تسعى إليها المرأة؟ أو هذا هو الاستقلال والحرية؟
لست أستطيع أن أدافع عن الحطة التي هبطت إليها البشرية حين عُيّرت المرأة بأن الرجل هو الذي ينفق عليها. ولكن من ذا الذي يستطيع أن يدافع عن العودة إلى الرقيق الأبيض، في كل مكان استقلت فيه المرأة في ميدان الاقتصاد؟
إنما علاج ذلك بالتربية.
فحين تربي كل أم ولدها على أنه ينفق لأنه مكلف بالإنفاق، وأنه له القوامة لأنه رجل مكلف بصراع الحياة، فهو أقدر على حماية زوجه وأولاده. ولكن ليس له مقابل هذا التكليف والقوامة أن يستذل أحدًا، أو يُشعر أحدًا"بالدونية".
حين تربي كل أم ولدها على هذا الأساس، تنتهي المشكلة إلى حلها الصحيح. لا عن طريق المساواة الاقتصادية، ولا المساواة المطلقة في الحقوق والواجبات عن طريق القانون. فما كان القانون قط وسيلة لتنفيذ شيء ما لم يكن راسخًا في الضمير.