الصفحة 154 من 162

إن الشاب لا يقدر على الدراسة والزواج في آن واحد. لماذا؟ إن الفتى الأمريكي -وهو آدمي كبقية الآدميين- يدرس، ويحتمل تبعة نفسه، وينفق على حياته الخاصة كلها، ثم يقيم علاقات"غرامية"مع الفتيات، ويقوم بالجانب الجنسي على طريقة الحيوان. فأي شيء في الزواج يزيد عن هذه الأعمال إلا نظافة الحس والضمير؟ فإذا كان إنجاب الأطفال في سن مبكرة يشغل الأبوين عن الدراسة، أو يرهق الوالد بالتكاليف قبل الأوان، فقد أصبح في الإمكان -بالوسائل الحديثة- تأخير النسل بضع سنوات، وليس في هذا التأخير ما يتعرض لغضب الإسلام إذا كان ضرورة ليس منها مناص.

أما حكاية النضج فأمرها عجيب. فما الذي يمنع أن ينضج الناس في داخل أسرهم، بدل أن ينضجوا في الطريق؟! وهل كل هذه الأجيال التي تزوجت مبكرة قد وقفت عن النضج، بكل من خرج فيها من عظماء التاريخ؟

تبقى تلك الدعوى الفارغة التي تقول: إن الزواج المبكر عرضة للعواصف حين ينضج الزوجان فيجدان نفسيهما غير متكافئين أو غير متفاهمين. وإنه لذلك ينبغي التأخير حتى يحس الزوجان وزن الأمور، ويختار كل منهما رفيقه اختيارًا يقوم على الاختبار الدقيق!

ومثل هذا الكلام كان يمكن أن يقام له وزن، لو أن الاختيار المبني على الاختبار الكامل، قد أثبت أنه أكثر استقرارًا وأبعث على التفاهم بين الزوجين. ولكن كيف الحال ونتيجته هي الطلاق الجنوني الذي شرحنا أسبابه ودوافعه في هذا الفصل؟

ومع ذلك فأسوأ الفروض أن ينفصل الزوجان بعد نضوجهما، ويبحثا عن زواج جديد. أليس كذلك؟ فلنأخذ نتائج الإحصاء. إن المجتمع المصري الريفي يزاول الزواج المبكر. ومع ذلك لم تصل فيه نسبة الطلاق ما وصلت إليه في أمريكا، بلد الاختبار الكامل الدقيق!؟

ولكن أناسًا سينظرون إلى المجتمع الإسلامي، وقد اختفت الفتنة الهائجة في الطريق، وارتفعت مشاعر الناس عن الدنس والقذارة، فيخيل إليهم أنهم سيفقدون المتاع الذي هم فيه اليوم غارقون! ذلك أنهم يتصورون أنفسهم، بمشاعرهم الحالية، ورغائبهم وشهواتهم وأفكارهم، ومشاغلهم وطرائق حياتهم، وأهدافهم كما هي الآن، ثم يتصورون أنهم دخلوا في الإسلام بهيئتهم الحالية دون تغيير! فيحسون أنهم"حُرِموا"من متاع كبير! ولكن الواقع أن الإسلام سينشئهم من جديد: سيمنحهم نفوسًا ومشاعر ومشاغل وأهدافًا وطرائق حياة تنسجم مع نظامه الخاص، فإذا هم خلق آخر لا يشعر بالحرمان من المتاع الدنس، بل يحس نحوه بالاستعلاء والنفور!

في رحاب الإسلام إذن تجد المشكلة الجنسية حلها الكامل، الذي يريح الأعصاب، ويحفظ المجتمع نظيفًا من الجريمة، ويهيئ الجو النفسي والشعوري للارتفاع فوق عالم الضرورة، لتحقيق أهداف الحياة العليا التي تليق بالإنسان، ذلك المخلوق الذي كرمه الله ورفعه على بقية مخلوقاته، ليسود الأرض، ويصل بينها وبين السماء!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت