فالنظام المادي الغربي، الذي يحجر المشاعر، ويثير الأنانية البغيضة حتى بين أفراد الأسرة الواحدة، هو الذي جعل الوالد ينكل عن الإنفاق على أبنائه بعد سن معينة، فصاروا لا يجدون إلا ما يكسبونه بأيديهم، مهما كانت ثروة الوالدين. ونظام الميراث المختل هناك يجعل الولد الأكبر وحده هو الذي يرث، ويخرج بقية الأولاد فقراء معدمين. أما في النظام الإسلامي المتعاطف المتعاون، فلا تقوم هذه الحواجز المتحجرة بين الأب وأولاده، ولا يمتنع عن الإنفاق عليهم حتى تمكنهم ظروفهم من الكسب، في غير لهفة ولا استعجال. وذلك في مقابل حقه عليهم في أن ينفقوا عليه في كبرته حين يعجز عن الكسب، أو يحتاج إلى زيادة في النفقات ... وهكذا يتبادلان التعاون، كل حسبما يقدر، وفي الوقت الذي يكون قادرًا فيه.
وبذلك لا يقف عجز الولد عن الإنفاق عائقًا في طريق الزواج المبكر، لأن والده لا يمتنع عن معاونته حتى يستطيع الاستقلال عنه. والذين يزعمون أن هذا يدعو إلى تواكل الأولاد وتقاعدهم عن العمل، يتحدثون عن فرض خيالي لا وجود له في الواقع (إلا في الحالات الشاذة بطبيعة الحال) ويغفلون عن عوامل نفسية مهمة. فليس أحب إلى الفتى أو الشاب من كسب يده، مهما تكن الثروة التي يجدها عند أبيه. والذي يذهب إلى الريف يجد تسابق الصبيان والمراهقين إلى العمل في جمع المحاصيل، ليحصلوا على نقود خاصة لأنفسهم، لا يقعد منهم عن ذلك إلا أولاد المترفين من الأغنياء. والإسلام يحارب الترف ويعده جريمة تؤدي إلى العذاب.
وفي ظل الإسلام لا يوجد الفقر الذي يُعجز الشاب ووالده معًا عن بناء أسرة جديدة والإنفاق عليها. لأنه يعمل على توزيع الثروة بصورة تضمن العدالة الاقتصادية بين الجميع، ويضع في يد ولي الأمر سلطات واسعة جدًا، تبيح له كما قال عمر، أن يأخذ فضول أموال الأغنياء فيردها على الفقراء، ويعيد التوازن إلى المجتمع كلما جنح إلى الاختلال.
وبيت المال مكلف خاصة بمعاونة من يريد الزواج من الفقراء ولا يقدر على نفقاته. أي أن الدولة، بلغتنا الحديثة، مكلفة بدفع إعانة لمن يحتاج إليها من الفقراء، باعتبار أن هذا دفع لضرر اجتماعي وأخلاقي منظور.
فالمسألة الاقتصادية في الإسلام لا تقف عائقًا عن الزواج.
ومع ذلك فلنفرض أننا في بلد كأمريكا، لا يعول الوالد فيه ولده ولا ابنته كذلك بعد الدراسة الثانوية، ولا تنفق الدولة شيئًا على راغبي الزواج. فماذا يحدث هناك؟ إن الصبيان بعد الدراسة الابتدائية ليبدأون في العمل ليكسبوا نفقاتهم الخاصة. فإذا أكملوا الدراسة الثانوية انقطعت كل صلة مالية لهم بأهليهم، وصار عليهم أن يكسبوا ما يتعلمون به في الجامعة، وما يعيشون به كذلك. ونظم التعليم هناك من المرونة بحيث تتيح لهم أن يتعلموا ويعملوا في وقت واحد. فتنظم الجداول، ومواد الدراسة، وطرق الامتحان، بحيث يصبح في مقدور كل طالب أن يجد وقتًا للعمل والكسب، دون أن ينقطع عن التعليم.
فما دام هذا ممكنًا في أي بلد على ظهر الأرض، فما الذي يمنع من إمكانه عندنا حين نريد؟ أهو فرض علينا أن نظل على هذه النظم الفاسدة التي اقتبسناها من انجلترا وفرنسا، ثم جمدنا عليها كأنها منزلة من السماء؟
فإذا انتهت المشكلة الاقتصادية والتعليمية، بقيت المشاكل النفسية.