فإذا كانت الأمور كلها كذلك، فلا حل للمسألة إلا أن تتيح للشباب حاجتهم الجنسية من غير طريق الزواج؛ وإلا احترقت أعصاب أولئك المساكين المحرومين! إلا ما أشد قسوتنا وتأخرنا إذا وقفنا في جانب الدين، الذي لم يعد يصلح لتلك التطورات الاقتصادية والاجتماعية الحديثة! لا. لا! ينبغي علينا، لكي نكون أحرار الفكر، أن ندعو إلى إباحة الفاحشة؛ وإلا سخرت منا أوربا وقالت: إننا متأخرون! حتى ولو كانت أوربا ذاتها قد بدأت تستنكر البغاء الرسمي وتلغيه!
وأحب أن أؤكد أولًا أن الإسلام نظام كامل لا أجزاء متفرقة، وأنه ينشى مجتمعه بنفسه، على الطريقة التي يريدها ويراها كفيلة بتحقيق أهدافه المرسومة. وأن الإسلام ليس مكلفًا أن يصحح للناس أخطاءهم ويحل لهم مشاكلهم، إلا إذا حكّموه جملة وتفصيلا وعاشوا تحت ظله هو، لا تحت ظل نظام أجنبي عنه، له جهازه الخاص ومشاكله الخاصة. فلا يجوز -ولا يصلح- أن ننتقي قطعة إسلامية بذاتها، ونضعها بدل قطعة جاهلية، في نظام جاهلي كامل. إنها بطبيعة الحال لن تصلح، ولن تحل المشكلة، لا لأنها فاسدة في ذاتها، ولكن لأنها من"مقاس"آخر، ومفصلة على جهاز آخر، يختلف عن غيره اختلافًا رئيسيًا في الطريقة والأهداف.
حين تختل ساعتك، فلن تستطيع إصلاحها"بترس"من نوع آخر مهما يكن متينًا في ذاته ومتقن الصنع. وإنما عليك أن تغير الساعة كلها إذا رأيت أنها تضايقك، أو تأتي لها بقطعة غيار من نفس نوعها وعلى حساب طاقتها.
فإذا فسد الاقتصاد المأخوذ من الغرب، أو من أي نظام آخر غير إسلامي، وأثر فساده في المجتمع والأخلاق، وجعل الزواج المبكر عملية مستحيلة، فلا يقل أحد: إن الإسلام لم يعد يصلح للحياة، لأنه ينص على أمر لا يمكن تنفيذه في ظل الأوضاع الاقتصادية المقلوبة. وإنما يقال فقط إن هذه أوضاع غير إسلامية، فلا يمكن أن تنفذ فيها الأساليب الإسلامية. وعلينا حين نقتنع بأن طريقة الإسلام هي الأصوب، أن ننشئ المجتمع الإسلامي كاملًا، فنجد كل جزئية في مكانها الصحيح، مفصلة على مقاسه، عاملة منتجة على خير الوجوه.
وقد يستهول الأمر الذين ضعفت قلوبهم، واستعبدت أرواحهم فظنوا أن الأوضاع الاقتصادية القائمة لا يمكن أن تتبدل أو تزول! ولكن الشيوعية مثلًا قد غيرت كل ما كان قائمًا من النظم الاقتصادية والاجتماعية، وأنشأت لها نظامًا خاصًا جديدًا من ألفه إلى يائه (وإن كانت في نظرنا لم تغير الأساس المادي للحضارة كما بينا في فصل"الشيوعيون"! فلم يستعص عليها التغيير؛ وتحولت مشاعر الناس وأفكارهم مع جهاز الدولة الجديد فصارت تستنكر ما كان أمرًا واقعًا من قبل. والإسلام أقدر، حين يؤمن به أهله ويسعون إليه، على تغيير النفوس والمشاعر والنظم الاقتصادية والاجتماعية، لأنه -فوق تنظيماته وتشريعاته- يتصل بمكمن العقيدة في أعماق الضمير.
وفي ظل النظام الإسلامي الكامل تنحل مشكلة الزواج المبكر، وتصبح أمرًا طبيعيًا لا تقف في طريقه العقبات.