ولكن الإسلام وقد تحاشى الكبت، وحدد المنع بفترة محدودة، وشغل المراهق -فتى كان أو فتاة- بما يستنفد طاقته ويحول أفكاره، ومنع عنه المثيرات العنيفة المتلفة للأعصاب .. يعلم أن ذلك كله"تصبيرة"لا تغني عن الغذاء الأصيل؛ وعند ذلك يفتح باب الزواج، ويقف عنده مناديًا: أن هلموا وبكروا، ولا تتأخروا عن النعيم المباح!
وذلك هو العلاج الحقيقي للمشكلة، والحل الذي لا يغني عنه شيئًا آخر، مهما ابتدعت الإنسانية في القديم والحديث.
الزواج ينهي المشكلة، فيصرف الطاقة الحبيسة، ويهدئ الشهوة الجامحة، ويرتفع بالإنسان عن مستوى الحيوان، ويذكره بالأهداف العليا للحياة الإنسانية، ويخلص مشاعره وأفكاره من الدوران في دائرة الجنس، فيتيح لها العمل على تحقيق هذه الأهداف.
ولذلك كله يدعو الإسلام إلى التبكير في طلب الزواج، بمجرد الاستطاعة. ويشهد الواقع الإسلامي بأن هذا كان حالًا ناجحًا للمشكلة الجنسية، إلى حد أنه لم يحوج الناس إلى ارتكاب الجريمة، لا لأنهم مكبوتون وممنوعون، ولكن لأنهم واجدون فمستغنون.
ويزعم بعض الناس أن وجه الأرض لا يمكن أن يخلو من جريمة الزنا، ولهذا ينبغي ألا تقاومه الدولة أو المجتمع، بل تعترف به وتنظمه وتشرف عليه. وكان من أولئك كتّاب لهم أقلام، لا يستحون أن يدعوا هذه الدعوة المجرمة في بلد إسلامي، بدل أن يدعوا إلى الحل الصحيح.
فهذا هو الواقع التاريخي للإسلام يكذبهم. صحيح أن الجريمة لم تنقطع انقطاعًا كاملًا ولا أيام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. ولكن النسبة تختلف. وفرق بين مجتمع لا تحدث فيه الجريمة إلا شذوذًا يستنكر، وبين مجتمع تحدث فيه كأمر عادي لا يثير الاستنكار، بل يكون الامتناع عن الجريمة فيه هو الشيء الذي يبعث الدهشة والاستنكار!
وقد كانت الأغلبية الساحقة من المسلمين لا ترتكب الخطيئة، لا لأن الناس قد صارت ملائكة، ولكن لأن دوافع الجريمة لم تعد موجودة. واكتفى الناس بالزواج المبكر فلم يعودوا يشعرون بالحرمان.
وتلك هي طريقة الإسلام في تهذيب النفوس، فهو لا يعظهم من المنابر. وإنما يقدم الحلول العلمية للمشاكل، ثم يجعل الوعظ متممًا للحل العملي، وباعثاُ على الوصول به إلى النتيجة المطلوبة.
ولكن هذا الحل يبدو اليوم في حكم المستحيل! هكذا يقول الذين لا يتصورون الأشياء إلا كما يرونها موجودة أمامهم في هذا الجيل!
فهم يرون في معظم أجزاء العالم نظامًا اقتصاديًا معقدًا، لا يتيح للفرد أن يتكسب إلا بعد فترة طويلة من التعليم والمرانة. وحتى بعد ذلك فإن كسبه لا يكاد يفي لضروراته، فضلًا على إنشاء أسرة ومواجهة تكاليفها المتزايدة.
ويرون نظامًا تعليميًا معقدًا لا يتيح للطالب أن يتخرج في سن مبكرة، إذا أراد أن يحصل على شهادة محترمة، تهيئ له بعد الجهد المضني هذا الكسب الضئيل الذي أشرنا إليه. ولا تتيح له هذه الدراسة بنظامها المعقد، أن يعمل في أثناء الدراسة، ليحصل على شيء من الكسب.
ويقولون غير ذلك: إن الفتى لا يستطيع أن يدرس ويتزوج في آن واحد. فلا مناص من تأخير الزواج إلى ما بعد التخرج، ثم تأخيره إلى ما بعد الحصول على عمل، ثم إلى ما بعد القدرة على توفير مبلغ صالح للزواج والإنفاق ...
بل يقولون: إنه ليس من المصلحة أن يتزوج مبكرًا، قبل أن تصقله التجارب، فيعرف كيف يختار، وكيف يتحمل التبعة، وكيف يربي أولاده ... الخ.