الصفحة 150 من 162

وقد كانت المشكلة عندهم في العالم المسيحي، مشكلة نفسية وعصبية أكثر منها جسدية وعضلية. كان الأمر الذي يطلبون علاجه هو الكبت النفسي الذي يعانيه من يتربى في ظل التعاليم المسيحية، كما أوحى بها رجال الدين وكتب المواعظ الدينية. ولكن الطريقة التي عالجوا بها الكبت، قد فشلت في إيجاد السلامة النفسية والعصبية، ولم تزد على أن تستبدل به الجوع الدائم واللهفة التي لا تشبع، فضلًا على حالات القلق المتزايد، التي تفد كل يوم، بنسبة مزعجة، على العيادات النفسية في أمريكا خاصة، وهي التي طبقت هذا الحل المثالي إلى آخر مداه!

وهنا يتميز الإسلام بأنه لا يكبت المشاعر الجنسية، ولا يستقذرها في ذاتها، ولا يعتبر من تلم به خارجًا عن ملكوت الله. بل يعترف بها أولًا على أنها أمر واقع، ثم يرفعها في حس المسلم إلى درجة النظافة الكاملة التي تقترن بالعبادة وباسم الله الكريم.

فإذا امتنع الكبت فقد خفت المعركة النفسية إلى درجة كبيرة، ولكنها لم تَزُلْ من الوجود. فما زال المراهق بين الشد والجذب: بين دفعة الجسد الملحة، ومعرفته بأن الإجابة العملية لهذه الدفعة ممنوعة عنه"الآن"حتى يستطيع الزواج. ومرة أخرى نجد أن توقيت المنع بفترة معينة، يخفف كثيرًا من وقعه على الأعصاب. وإن كان بعد لا يزيله!

وهنا يلجأ الإسلام إلى شَغْل المراهق بما ينفس عن الطاقة الجنسية، من طريق الجسد والنفس في آن. فأما الفتى فقد كان يشغله بالفروسية ومطالب الجهاد. وهذه ترفع المشاعر كلها وتهيئ الرجل للصراع النبيل في المستقبل، وتستنفد طاقة الجسد، فتنفس في الوقت ذاته عن كثير من الرصيد المحبوس، كما بينا من قبل. وقد صار الفتى اليوم يقضي مراهقته في المدرسة فعليها أن تقوم بما كانت تفعله الفروسية من قبل، فتجعل الرياضة البدنية والتدريب العسكري شيئًا أساسيًا في الدراسة، وتأخذه مأخذ الجد. وإن كانت المدارس المصرية لم تزل بعد لا تجدّ في شيء البتة، حتى إعطاء الدروس وامتحان التلاميذ!

وأما الفتاة فقد كان يشغلها بأمور المنزل، فيهيئها لمستقبلها كأم وربة بيت، ويشغل أفكارها عن خوطر الجنس مباشرة، فيدعها أحلامًا مبهمة بمستقبل سعيد، ويستنفد طاقة الجسد الفائر في غير إرهاق. ومن هنا تتضح جريمة المدرسة التي تدرس للبنات في سن المراهقة الحساب والجبر والهندسة والكيمياء، ولا تشفع ذلك بالتدبير المنزلي كمادة أساسية، لا كحصة طائرة؛ مادة تستغرق الوقت والتفكير والجهد، وتوجه مشاعر الفتاة وجهتها الصحيحة فلا تدعها تسترجل وتنسى طبيعتها الأصلية. وبعد ذلك لا قبله، تدرس من المواد الأخرى بقدر ما تشاء، دون قيد إلا الرغبة والمقدرة.

وهذه الفتاة التي تدرس دراسة لا تستجيب لطبيعتها الأنثوية، ولا تستنفد طاقة الجسد المذخورة، بل ترهق الأعصاب فتجعلها أقرب إلى الهياج، تجد طاقتها الجنسية فائرة لم تستنفد ولم يخفف منها شيء. ولذلك تتسكع في الطرقات، وتَعرِض نفسها للنظرات الجائعة والشهوات الهائجة، ثم تسقط في النهاية إلى حيث يؤدي بها الطريق.

وفي المجتمع الإسلامي لا توجد تلك المهيجات العنيفة التي تعمل على استثارة الشهوة على الدوام، وبدرجة غير طبيعية. لا توجد الصور العارية ولا الصحافة العارية، بكتابها المنحلين الذين يرتزقون بإفساد أخلاق الشباب، وإثارة الحيوانية الفاجرة في نفوسهم كما يفعل القوادون وتجار الأعراض. ولا توجد فيها السينما الخليعة والمراقص الداعرة التي لا تمثل فنًا ولا فكرة، ولا شيئًا آخر غير عرض الشهوات المريضة والأجساد العارية في كل وضع مثير.

فإذا امتنعت هذه المثيرات غير الاعتيادية فقد خفت حدة الشهوة إلى حد كبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت