الصفحة 149 من 162

بدءوا بالاختلاط البريء! وانتهوا إلى الإباحية الجنسية الكاملة، لأنها النتيجة المحتومة لتلك البراءة المزعومة!

فلقد كان هذا الاختلاط البريء أسطورة ضخمة طلع بها الغرب في بدء انحلاله، ليعالج بها الكبت الجنسي. وراح علماء النفس والاجتماع يهولون في فائدتها المطلقة وخيرها العميم ... ثم عاد الغرب فكفر بها، ولم يعد اليوم يجري ذكرها على لسانه، بعد أن تكشفت عن نتيجتها الطبيعية المحتومة.

فأما علماء النفس وأطباء الأعصاب فقد نكلوا عن رأيهم السابق في هذا الاختلاط الشفوي، بما فيه الرقص على أنغام الموسيقى، وحفلات الشاي"البريئة"والنزهات الخلوية"تحت رقابة الوالدين أو إشراف المدرسين".

فهم يقولون اليوم: إن كل اختلاط من شأنه أن يهيج المشاعر الجنسية لا أن يخمدها. فإذا كانت هذه المشاعر تَسكت أو تُسكت، بحكم ظروف الاجتماع التي لا تمكّن من التنفيذ العملي، أو بحكم الحياء من الظهور أمام الموجودين والموجودات بمظهر الجائع المتعطش، أو لأي سبب آخر، فإن هذا لا بد أن يحدث لونًا من القلق النفسي والعصبي بعد الهدوء المؤقت الذي قد تحدثه الاجتماعات المختلطة. وعندئذ يحدث أحد أمرين: فإما أن يلجأ الشاب إلى تفريغ الشحنة المستثارة، في مكان آخر لا تقوم حوله الحواجز، أو يظل في قلقه المفسد للأعصاب. بل زاد بعض الأطباء أن يقولوا: إن الاستمرار على هذه الحال، أي الإثارة الدائمة بدون تفريغ، قد يؤدي عند الشاب إلى ضعف عصبي، بالإضافة إلى اللهفة النفسية الدائمة.

وهكذا انكشفت حكاية"التهذيب الجنسي بالاختلاط البريء"عن وهم كبير! فما قيمة أن تتهذب مع واحدة بعينها، لتنطلق مع أخرى كالحيوان، أو تظل دائمًا في لهفة وهيام؟ وما قيمة أن تكون الفتاة التي تهذبك اليوم وتتهذب بك فريسة في الغد لفتى آخر، قد"تهذب"من قبل، فانطلق يريد الارتواء؟!

إنها أضحوكة، أو ستار رقيق جدًا يكشف عن المغالطة التي تستتر وراءه. وعلى أي حال فقد كفر الغرب بها، ولم يعد يزعم أن الاختلاط البريء أمر ممكن التنفيذ. لقد ألقى القناع، وأعلن في صراحة حمقاء، أنه قد أباح لفتيانه وفتياته أن ينزو بعضهم على بعض بلا حياء!

فما بال هذا الشرق المسكين يتشبث بهذه الأساطير؟ وفي أي مكان على ظهر الأرض يوجد اليوم -أو وجد قبل الآن- اختلاط بريء، حتى يدعو إليه هنا الكتاب والمؤلفون؟ ألا فليملأ الكتاب الفارغون اسطواناتهم بطبعة جديدة، فقد بطلت الطبعة الأولى وأصبحت غير ذات موضوع!

ولقد كان الإسلام أشد بصرًا بالطبيعة البشرية، وأدرى بإمكانياتها ومساربها الخفية، حين منع هذا الاختلاط، وهو يعلم أنه لن يظل بريئًا قيد خطوات.

وهو حين دعا إلى الاستمتاع المعقول داخل نطاق الزواج، وحرم المتاع الفاجر في الخارج، لم يكن قصده مجرد التحكم في الناس لشهوة التحكم، وإنما كان يقصد إلى منفعتهم، وتوفير أسباب الراحة النفسية والعصبية للجميع. فإذا كان الشباب الفائر لا يرى هذه المصلحة في لحظة من اللحظات، لأنه لا يرى الهوة في آخر الطريق، فلا ينتظر مما يراها رأي العين، أن يسكت عليه حتى يتردى قبل أن يفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت